تأثرت السياحة في القدس والضفة الغربية وأصابها ركود بالغ مثل باقي القطاعات الاقتصادية والحياتية، التي باتت تترنح بشكل ملحوظ ورديء، وذلك بعيد الحرب المندلعة بين إسرائيل وحركة "حماس" في غزة.
فمنذ 7 أكتوبر، غادر المئات من السياح الذين وُجدوا في البلاد، من خلال التنسيق مع سفاراتهم، كما أُجّلت بقية الرحلات السياحية لأجل غير مسمى، وبطبيعة الحال لم تعد فلسطين مقصدًا للزوار والسياح ولا حتى الحجاج في الفترة الحالية، بفعل الحرب المشتعلة والتحذيرات الأمنية منها، خصوصًا مع إغلاق إسرائيل لمطار بن غوريون في تل أبيب الذي يفدون منه للمناطق الإسرائيلية والفلسطينية.
ورغم أنّ النشاط السياحي في فلسطين شهد مؤخرًا تحسنًا ملحوظًا، بفعل الأهمية والمكانة الكبرى التي تتمتع بها الأراضي المقدسة على صعيد الحركة السياحية، وتصدّر فلسطين عالميًا من حيث وجود المواقع الدينية المسيحية والإسلامية فيها، إلّا أنّ معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أكدت أنّ الأوضاع السياسية تعيق تطور وعمل هذا القطاع، فلم تعد الأحوال الميدانية كما كانت عليه قبيل الحرب، حيث ضربت السلطات الإسرائيلية طوقًا عسكريًا شاملاً على القدس وبقية المدن الفلسطينية، وأضحى التنقل من مدينة إلى أخرى يحتاج وقتاً طويلًا، فيما أغلب الطرق باتت مغلقة أمام حركة الفلسطينيّين.
القدس.. انعدام السياحة الدينية من جرّاء الحرب
أجواء المدينة المقدسة أشبه بثكنة عسكرية تزدحم بالجنود والمستوطنين، وتكثر فيها الحواجز الأمنية الإسرائيلية، وتسودها حالة احتقان بين الجانبَين، فيما تخلو محالّها وشوارعها من روادها والوافدين إليها، بعد أن كانت تعجّ بالحياة وحركة السياح والحجاج والفنادق الممتلئة، فمعظم المتاجر مغلقة وحركة الشراء ضعيفة، إلا أنها باتت اليوم شبه فارغة وخاوية.
يقول المرشد السياحي روبين أبو شمسية في حديث لمنصة المشهد: "القدس على حافة انهيار اقتصادي، معظم المحالّ والحوانيت مغلقة، إلّا بعض المحالّ في سوقَي خان الزيت والعطارين، إلا أنه لا وجود للمتسوقين، وألاحظ بأنه لا يوجد أيّ سائج أجنبي داخل القدس وحتى القدس القديمة، أي أنّ الحركة السياحية مشلولة، حتى أنّ المدينة باتت وكأنها مهجورة، إلّا من الجنود الإسرائيليّين يوجدون في كل مكان بأعداد هائلة، يقومون بتفتيش الناس وإذلالهم، وهذا كله يؤثر على الحركة الاقتصادية والسياحية للمدينة".
وحول الحركة السياحية في المدينة يضيف أبو شمسية: "لا حياة ولا حركة ولا سياحة بالقدس، التي تبدو وكأنها مفصولة عن العالم تمامًا، ومعظم أصحاب الفنادق والحوانيت السياحية شبه موصدة بفعل الحركة البطيئة، والمئات من المواطنين فقدوا أعمالهم في القطاع السياحي وفي المدينة من جرّاء هذا الظرف السياسي الخانق".
بيت لحم مهد المسيح.. بلا سياح
مدينة بيت لحم الواقعة على بعد 10 كم جنوبي القدس، والتي تعدّ وجهة سياحية دينية للمسيحيّين بامتياز، ولمن أراد أن يزور أجمل المواقع التاريخية، تبدو مهجورة هي الأخرى بحسب الأهالي فيها والأحوال تتحدث عن نفسها، حيث كانت الساحة الرئيسية بكنيسة المهد والشوارع المحيطة بها تعجّ بالسياح والمواطنين، أضحت فارغة تماما بعد عملية الطوفان التي أدت للحرب على غزة.
ويشكو إلياس رشماوي لمنصة المشهد الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أصحاب المحالّ والفنادق، وهو صاحب فندق سياحي بالمدينة، "الأوضاع فجأة انقلبت وأصبحت سيّئة للغاية، لا نزلاء ولا سياح لديّ في الفندق، في واقع الأمر، بيت لحم هي من أكثر المدن تأثرًا بتبعات الحرب على غزة، فنحن نعتمد بشكل كامل على السياحة الوافدة، خصوصا أنّ المدينة فيها مؤسسات سياحية متكاملة، 70 فندقًا، و 400 مشغل لخشب الزيتون، و100 متجر لبيع التحف الشرقية والمطرزات، ومئات من الأدلاء السياحيّين، عدا عن الشركات السياحية والمطاعم، والآلاف من العاملين في هذا القطاع الذي تيعاني خسائر فادحة ومتواصلة، مع توقف السياحة في القدس وبيت لحم وعموم البلاد من جرّاء الحرب، حيث كانت بيت لحم يؤمها يوميًا المئات من السياح والحجاج، واليوم عددهم صفر، والحال كما تشاهدون معدوم ويتجه نحو القلّة والسوء".
الحرب في غزة تصيب السياحة بخسائر فادحة
من الملاحظ أنّ القطاع الاقتصاديّ والسياحي خصوصا في القدس وبقية المدن الفلسطينية، يعاني الارتدادات الأخيرة التي أعقبت حرب غزة، خصوصا المدن السياحية أخذت النصيب الأكبر، نتيجة الشلل التجاريّ الذي أصابها، وحالة الركود التي مُنيت بها، وذلك بحسب التاجر المقدسي خالد السلفيتي.
ويقول خالد لمنصة المشهد أثناء وجوده في محله للتحف الشرقية بالقدس القديمة، "ما تلا حرب الطوفان ترك تأثيرًا فوريًا علينا منذ اللحظة الأولى حينما غادرت كل الوفود السياحية إلى بلدانها، وتردي الأوضاع الميدانية بالقدس وبقية المناطق، حيث بات البيع ضعيفا جدًا ولا يُذكر، وبفعل الوضع الخاص الذي تعانيه القدس أصلًا في الأيام العادية، زاد الوضع سوءًا مما كان عليه في السابق".
في سياق متصل، ألغى آلاف السياح الأجانب حجوزاتهم في فنادق القدس وبيت لحم وبقية المناطق، بعد أن كانت غرفها الفندقية تتميز بحالة جيدة في العمل، لكن ما حدث في السابع من أكتوبر قلب الأوضاع رأسًا على عقب، ومع إلغاء الحجوزات ومغادرة السياح إلى بلدانهم، انعكس ذلك سلبًا في أرباح مزوّدي الخدمات السياحية وحتى البسطات التي تبيع الهدايا، كذلك مزوّدي موادّ التنظيف والوقود للحافلات، وحتى مصانع الخزف والمطرزات والتحف الشرقية تأثرت هي الأخرى.