سجلت أسعار الفضة في 2025 ارتفاعات قياسية جديدة، لتتفوق في الأداء على الذهب، وسط مزيج من نقص المعروض وارتفاع الطلب الاستثماري والصناعي، ما يدعم توقعات استمرار موجة الصعود خلال الفترة المقبلة، بحسب محللين في أسواق السلع، بحسب تقرير نشرته "cnbc".
الفضة، المعروفة بلقب "معدن الشيطان" بسبب تقلباتها الحادة، حققت قفزة سعرية قوية هذا العام، في وقت واصل فيه الذهب أيضاً موجة صعود دفعت سعر الأونصة لتجاوز مستوى 4000 دولار.
الفضة تتفوق على الذهب في 2025
تشير البيانات، إلى أن الفضة حققت نمواً بنحو 71% منذ بداية 2025 وحتى منتصف أكتوبر، بينما ارتفع الذهب بنحو 54% في الفترة نفسها.
ووصل سعر الفضة إلى مستوى قياسي عند 54.47 دولارًا للأونصة في منتصف أكتوبر، قبل أن يتراجع قليلاً ثم يعاود الصعود مرة أخرى، لتواصل الأسعار التحرك في نطاق مرتفع تاريخياً رغم ضعف الإمدادات.
ويقول رئيس إدارة منتجات السلع والدخل الثابت لصناديق المؤشرات في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى "إنفيسكو" بول سيمز، إن الطلب كان قوياً لدرجة أن بعض المتعاملين اضطروا لنقل الفضة جواً بدلاً من الشحن البحري لتلبية مواعيد التسليم.
ويضيف أن الأسعار وإن شهدت تصحيحاً بعد القفزة الكبيرة، فإن العوامل الحالية مختلفة عن الدورات السابقة، ما قد يدعم بقاء الفضة عند مستويات مرتفعة وربما استمرارها في الصعود لفترة أطول.
موجات صعود تاريخية محدودة لكن قوية
توضح البيانات، أن أكتوبر 2025 يمثل المرة الثالثة فقط خلال الـ50 عاماً الماضية التي تسجل فيها أسعار الفضة قمماً تاريخية كبيرة.
ومن بين المحطات البارزة الأخرى، يناير 1980، عندما حاول الأخوان هانت السيطرة على سوق الفضة عبر تجميع نحو ثلث الإمدادات العالمية، وفي عام 2011، عندما صعدت أسعار الفضة والذهب بقوة بعد أزمة سقف الدين الأميركي، مع بحث المستثمرين عن ملاذات آمنة.
ويشير سيمز، إلى أن سوق الفضة أصغر بكثير من سوق الذهب، إذ لا يتجاوز حجمه نحو عُشر حجم سوق الذهب، ما يجعل أي موجة شراء أو "شورت سكويز" قادرة على دفع الأسعار للصعود الحاد في فترة قصيرة.
الفضة بين الاستثمار والصناعة.. تحولات في ديناميكيات الطلب
على عكس موجات الصعود السابقة التي اعتمدت في الأساس على الطلب الاستثماري، تستند موجة صعود الفضة في 2025 إلى مزيج من العوامل نقص في المعروض العالمي، وارتفاع الطلب من الهند واستخدامات صناعية متزايدة في السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والطاقة الشمسية.
وتوضح رئيسة أبحاث السوق لمنطقتي أوروبا وآسيا في "60 إكس" المحللة رونـا أكونيل، أن ما يُعرف بنسبة الذهب إلى الفضة، التي تعبر عن عدد أونصات الفضة اللازمة لشراء أونصة واحدة من الذهب، قفز إلى مستويات تاريخية في بداية العام، ما أظهر أن الفضة كانت أقل تقييماً من الذهب ومرشحة للصعود.
دخلت الفضة ذروة موسم الطلب في الخريف، بالتزامن مع انتهاء موسم الأمطار والحصاد في الهند.
وتوضح أكونيل، أن المزارعين في الهند لا يفضلون التعامل مع البنوك، لذلك يتجه كثير منهم إلى الذهب، ومؤخراً إلى الفضة، كخيار لتخزين المدخرات بعد بيع المحاصيل.
وتعد الهند أكبر مستهلك للفضة في العالم، مع استخدام نحو 4000 طن سنوياً، معظمها في صناعة الحلي والأواني والزينة.
كما تزامنت قفزة الطلب مع احتفالات "ديوالي"، أحد أكبر الأعياد في الهند، والمرتبط في الثقافة المحلية بالازدهار والثروة، ما عزز الإقبال على شراء المعادن الثمينة.
قفزة قياسية في أسعار الفضة داخل الهند
في 17 أكتوبر، صعد سعر الفضة في الهند إلى مستوى قياسي بلغ 170,415 روبية للكيلوغرام، بزيادة تقارب 85% منذ بداية العام.
ورغم أن الفضة تعد أرخص كثيراً من الذهب، فإن ارتفاع الأسعار العالمية لم يمنع الإقبال، خصوصاً في ظل اعتماد نحو 55% من السكان على الزراعة، ما يجعل الاستثمار في المعادن الثمينة خياراً مفضلاً وملائماً لميزانيات شريحة واسعة من الأسر.
تؤكد أكونيل، أن نحو 80% من احتياجات الهند من الفضة تأتي عبر الواردات، مع اعتمادها بشكل تقليدي على بريطانيا كمصدر رئيسي، إلى جانب صعود دور الإمارات والصين في السنوات الأخيرة.
لكن مخازن الفضة في لندن تشهد تراجعاً حاداً منذ فترة، ففي يونيو 2022، بلغ حجم الفضة المخزنة في مستودعات رابطة سوق السبائك في لندن نحو 31,023 طنًا، قبل أن يتراجع إلى 22,126 طنًا بحلول مارس 2025، وهو أدنى مستوى منذ سنوات.
وتشير أكونيل، إلى أن ما لا يراه كثير من المتعاملين بوضوح هو وضع المخزونات الفعلية في الخزائن، والتي وصلت، بحسب قولها، إلى نقطة أصبح فيها لا يوجد تقريباً معدن متاح في لندن.
تكاليف اقتراض الفضة تقفز لمستويات صادمة
مع اشتداد الاختناق في السوق، اضطر المتعاملون إلى دفع تكاليف مرتفعة للغاية لاقتراض الفضة وإغلاق مراكزهم.
وتوضح أكونيل أنه في إحدى الفترات، وصلت تكلفة الاقتراض لليلة واحدة إلى ما يعادل 200% على أساس سنوي، ما خلق ضغوطاً كبيرة على المتعاملين في السوق.
يمثل جانب المعروض تحدياً دائماً في سوق الفضة، كما هو الحال في أسواق المعادن الثمينة والنادرة الأخرى.
وبحسب "المسح العالمي للفضة 2025" الصادر عن معهد الفضة، فإن إنتاج المناجم يتراجع منذ نحو عشر سنوات، خاصة في أمريكا الوسطى والجنوبية، نتيجة إغلاق بعض المناجم، ونضوب الموارد في أخرى.
مشكلات البنية التحتية والاستثمار
وتشير أكونيل، إلى أن الفائض الهيكلي الذي كان موجوداً في السوق بدأ يتحول خلال 12 شهراً ماضية إلى عجز، نتيجة 3 عوامل رئيسية تسارع استخدام الفضة في السيارات الكهربائية، وزيادة الطلب المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ونمو استخدام الفضة في الألواح الشمسية والخلايا الكهروضوئية.
يوضح بول سيمز، أن السيارة الكهربائية التقليدية تحتوي حالياً على نحو 25 غراماً من الفضة، بينما قد تحتوي الطرازات الأكبر على ما يقرب من 50 غراماً.
لكن الصورة قد تتغير جذرياً إذا انتقل القطاع نحو بطاريات الحالة الصلبة المعتمدة على الفضة، إذ قد تحتاج كل سيارة كهربائية في هذه الحالة إلى كيلوجرام كامل من الفضة أو أكثر.
ومع امتلاك الفضة أعلى موصلية كهربائية بين المعادن، إلى جانب موصلية حرارية مرتفعة، فإنها تصبح مرشحة للعب دور أكبر في الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الحوسبة المتقدمة.
يرى محللون، أن الفضة تقف اليوم عند نقطة التقاء بين كونها معدنًا نفيسًا يُستخدم كملاذ آمن، ومعدنًا صناعيًا أساسياً في التحول نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على الكهرباء والطاقة المتجددة.
ويختصر سيمز، المشهد بقوله إن الفضة "تعبر الجسر بين المعادن الثمينة والمعادن الصناعية"، ومع التوسع في استخدام البطاريات المتطورة، والألواح الشمسية، والتطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فإن "حالات استخدام الفضة تتزايد مع دخول العالم في مرحلة أكثر كهربائية".
وبين تراجع المعروض، وانخفاض المخزونات، وتوسع الاستخدامات الصناعية، وتزايد الطلب الاستثماري في أسواق ناشئة مثل الهند، تبدو أسعار الفضة، وفق كثير من التقديرات، مرشحة للبقاء عند مستويات مرتفعة، مع احتمالات استمرار الصعود إذا استمرت هذه العوامل في التفاعل خلال السنوات المقبلة.