لا يزال الوجود العسكري للجيش المصري في شبه جزيرة سيناء يمثل هاجساً كبيراً بالنسبة لإسرائيل، والتي ترى بحسب وسائل إعلام تابعة لها بأنّ البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء، تمثل انتهاكاً صارخاً للملحق الأمني في معاهدة السلام الموقعة بين القاهرة وتل أبيب والمعروفة باتفاقية كامب ديفيد.
ورغم التأكيدات المصرية الرسمية مراراً وتكراراً على عدم وجود أيّ خروقات بشأن الاتفاقية، والالتزام الكامل بكافة بنودها، إلاّ إن المسؤولين الإسرائيليين يرون أن هناك وجودًا متناميًا لقوات الجيش المصري داخل سيناء، بما يتجاوز الحصص المتفق عليها وفق الملحق العسكري لاتفاقية كامب ديفيد.
وفي تطور لافت للمزاعم الإسرائيلية بتزايد الوجود العسكري المصري في سيناء، أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بعدم المضي في اتفاق الغاز مع القاهرة من دون موافقته الشخصية، وذلك رداً على تقارير عن خروقات مصرية لاتفاقية السلام عبر التعزيزات العسكرية المصرية في سيناء، بحسب ما ذكرته صحيفة يسرائيل هيوم، والتي أوضحت أن نتانياهو سيبحث مع وزير الطاقة وعضو مجلس الوزراء السياسي والأمني المصغر (الكابينت) إيلي كوهين، ما إذا كان ينبغي المضي في الاتفاق، وكيفية القيام بذلك، قبل أن يتخذ قراراً نهائياً بهذا الشأن.
وذكرت الصحيفة أن إسرائيل كانت تعتزم المصادقة على الصفقة كما هي، إلاّ أن نشر تقارير حول تعزيزات عسكرية مصرية في سيناء، دفع المستويات السياسية العليا إلى إعادة النظر، حتى أصدر نتانياهو أوامر بطرح القضية أمامه شخصياً، حتى يتأكد أن مصر ستلتزم بتعهداتها بموجب اتفاقية السلام.
نتانياهو لا يستطيع تنفيذ تهديداته
وتبلغ قيمة اتفاقية الغاز التي يلوح نتانياهو بتجميدها حسب ما ذكرته صحيفة يسرائيل هيوم نحو 35 مليار دولار، وتنص على تزويد مصر بـ130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي حتى عام 2040، على مرحلتين تبدأ أولاهما في النصف الأول من 2026، في واحدة وصفت بأنها من أضخم صفقات التصدير بتاريخ إسرائيل، لذلك قلل أستاذ هندسة الطاقة والبترول في الجامعة الأميركية الدكتور جمال القليوبي من أهمية تهديدات نتانياهو بتجميد صفقة الغاز مع مصر.
وأوضح أن تلك التهديدات لا قيمة لها ولن يستطيع نتانياهو تنفيذها إن صحت فعلياً، هو فقط يرغب في استخدام ورقة الطاقة ضمن معادلة سياسة الضغط المتبادل مع مصر، مشيراً إلى أن الجانب الإسرائيلي هو المستفيد الأكبر من هذا الاتفاق، لأن بموجبها ستضمن إسرائيل منفذاً إضافياً إلى الأسواق الأوروبية، كما أن تل أبيب ليس لديها أي سبيل لتصدير الغاز إلا من خلال محطات الإسالة المصرية في ظل عدم وجود طلب محلي لديها لاستخدام كامل إنتاجها من الغاز.
مصر أم إسرائيل.. من الخاسر؟
وكشف القليوبي أن ما تستورده مصر من إسرائيل لا يتعدى 800 مليون قدم مكعب غاز يومي بنسبة 9% فقط من حجم الاستهلاك اليومي لمصر، وبالتالي لو أرادت إسرائيل إيقاف تصدير الغاز فلتوقفه وستكون هي الخاسرة في هذه الحالة، لأن هذه الخطوة ستعمل على إضعاف الاقتصاد الإسرائيلي الذي لن يستفيد بأي شيء سوى بقاء الغاز في مكانه دون تحقيق أدنى استفادة منه لأنه لن يتم استخدامه.
وأكد القليوبي أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو تأمين احتياجاتها المطلوبة من الطاقة، كما أنها تملك بدائل إستراتيجية عديدة لدعم استقرار الطاقة من خلال مسارات متعددة من أبرز الآتي:
- القدرة الكبيرة على عمليات البحث والتنقيب.
- القدرة على التحول للطاقة المتجددة.
- تقليل نسبة فاتورة الغاز.
- تطوير البنية التحتية وتحسين مرونة الشبكة القومية.
احتياجات مصر من الغاز
وبحسب أستاذ هندسة الطاقة والبترول في الجامعة الأميركية، فإن استهلاك مصر يومياً من الغاز يبلغ 6,3 مليار قدم مكعب، يُنتج منه داخل الأراضي المصرية 4.5 مليارات قدم مكعب، ويتم استيراد 1.8 مليار قدم مكعب من الخارج، معظمها صفقات غاز مسال وتملك القاهرة تشغيل 4 وحدات تغويز عائمة، إضافة إلى عقود مع 5 شركات عالمية لاستيراد الغاز المسال في العقود طويلة الأجل، وذلك من أجل سد العجز في الوقت الحالي.
وأشار إلى أن مصر لديها خطة واضحة لعمليات البحث والتنقيب في الأماكن الجديدة، من أجل البحث عن صفقات اقتصادية تستطيع أن تتماشى مع قدرات حقل ظهر، وفي التوقيت نفسه مصر تتحول إلى الطاقة المتجددة، موضحاً أن مصر تستهدف خلال الـ3 سنوات القادمة إنتاج 39 ألف ميغاوات من الطاقة المتجددة، منها 11 ألف من الشمس، و28 ألف ميغاوات من الرياح، وبالتالي فإن هذا الرقم يكفي لسد احتياجات مصر كاملة من الطاقة.
مناورة إسرائيلية للضغط على مصر
أما رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور إكرام بدر الدين، فيرى أن إسرائيل ترغب في استخدام ورقة الغاز للضغط على مصر من أجل تقديم تنازلات، ولا سيما التنازل عن فكرة رفض القاهرة تهجير الفلسطينيين والموافقة عليه، منوهاً إلى أن الموقف المصري برفض مخططات تل أبيب لتهجير سكان غزة وإعادة احتلال القطاع يمثلان حائط صد منيع أمام طموحات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، بل ويمثلان قلقاً بالغاً لها، لأنهما يشكلان حاجزاً أمام تصفية القضية الفلسطينية برمتها والتي تسعى إسرائيل إليها بكل ما أوتيت من قوة.
لكن في الوقت ذاته، لفت بدر الدين إلى أن تعامل الجانب الإسرائيلي مع مصر بأسلوب الضغط لن يجدي نفعاً ولن يحقق الأهداف الإسرائيلية، بل إن هذه الطريقة قد تؤدي إلى زيادة حدة الخلاف مع مصر وترفع من مستوى التوتر القائم في العلاقات، العداء الذي لن يكون في مصلحة إسرائيل.
إسرائيل انتهكت اتفاقية السلام
وتخضع التحركات العسكرية المصرية في سيناء لرقابة بموجب معاهدة كامب ديفيد التي قسمت شبه الجزيرة إلى 3 مناطق (أ، ب، ج)، بترتيبات أمنية مختلفة تحد من حجم القوات المصرية المسموح بوجودها، كما أن إسرائيل وافقت في الأعوام الماضية على إدخال قوات إضافية بطلب رسمي من القاهرة، خصوصا أثناء العمليات ضد الجماعات المسلحة في شبه جزيرة سيناء، عقب الإطاحة بنظام جماعة الإخوان عام 2013.
وفي هذا الإطار، يقول رئيس أركان إدارة الحرب الكيمائية الأسبق بالجيش المصري اللواء محمد الشهاوي، إن تهديدات نتانياهو بتجميد صفقة الغاز مع مصر بسبب الوجود العسكري المصري في سيناء، تدخل في إطار الحرب النفسية ليس إلاّ، مؤكداً أن بلاده لم تنتهك اتفاقية كامب ديفيد، بل إسرائيل هي من أقدمت على مخالفتها عندما قامت باحتلال محور فيلادلفيا الملاصق مع الحدود المصرية، بالإضافة إلى احتلالها لمعبر رفح من الناحية الفلسطينية، وقامت بمنع دخول المساعدات الإنسانية لسكان غزة، فضلاً عن محاولاتها التي لا تتوقف لتهجير هؤلاء السكان نحو الأراضي المصرية.
وأشار الشهاوي إلى أن مصر لديها الحق في تعزيز قواتها العسكرية داخل سيناء، وفي أي من الاتجاهات الإستراتيجية للدولة وفقاً لمتطلبات أمنها القومي، وليس من حق إسرائيل أن تعترض على وجود قوات الجيش المصري داخل سيناء لأنها أرض مصرية، منوهاً إلى أن التحركات الإسرائيلية على حدود غزة المتاخمة مع مصر، تشكل تهديدات للأمن القومي المصري، وبالتالي فإن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تلك التهديدات، وستتخذ كافة إجراءاتها الأمنية التي تراها مناسبة لحماية أراضيها.