تبحث بنوك مركزية عالمية الأربعاء وفي مقدمتها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أسعار الفائدة في أولى اجتماعات عام 2023، وسط توقعات باستمرار سياسة التشدد النقدي في مواصلة الحرب ضد التضخم.
ويُعلن كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا نتائج اجتماعاتهم غدا الخميس، فيما يعلن الاحتياطي الفيدرالي قراره فيما يتعلق بأسعار الفائدة في وقت لاحق من اليوم، إذ تترقب الأسواق العالمية والبنوك المركزية التي تربط عملاتها المحلية بالدولار، ما سيقرره صنّاع السياسة النقدية في هذه البنوك الرئيسية.
حتى نهاية العام
يقول المحلل الاقتصادي الإماراتي نايل الجوابرة في حديثه مع منصة "المشهد"، إن البنك المركزي الأميركي سيواصل رفع الفائدة على الدولار، خصوصا أن معدلات التضخم لا تزال مرتفعة على الرغم من تباطئها، "ويظهر ذلك بشكل أساسي في الارتفاعات المتلاحقة بأسعار السلع الأولية".
وتباطأ التضخم في الولايات المتحدة في ديسمبر الماضي، مسجلا أدنى مستوى شهري له منذ أكثر من عام، وفق ما أظهرت بيانات حكومية يناير الماضي، إذ ارتفع مؤشر الأسعار الاستهلاكية بنسبة 6.5% على أساس سنوي في ديسمبر، وهي أدنى زيادة في الأسعار منذ أكتوبر 2021.
ويضيف الجوابرة: "كما من الممكن أن يُعلن رئيس مجلس الفيدرالي الأميركي جيروم باول في مؤتمره الصحفي، عن استمرار سياسة التشديد النقدي حتى نهاية 2023، وهذا يخالف التوقعات جميعها التي ترى أنه سيكون هناك تباطؤ في رفع أسعار الفائدة بداية من النصف الثاني من العام الجاري".
ويرى المحلل الاقتصادي أن استمرار هذه السياسة يضع في الاعتبار المعطيات الراهنة للحرب الروسية الأوكرانية والتي قد يمتد أجلها حتى ما بعد العام الجاري.
ووفق وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، فإن من المتوقع على نطاق واسع أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ختام اجتماعها الأربعاء، والذي استمر منذ الأمس، ليتراوح سعر الفائدة إلى ما بين 4.5% و4.75%.
وتواجه الأسر الأميركية بداية من عام 2022، مستويات تضخم هي الأعلى منذ عقود، ما دفع البنك المركزي الأميركي إلى رفع معدلات الفائدة بوتيرة غير مسبوقة سعيا إلى تخفيف الأعباء.
ضغط الاحتجاجات والإضرابات
وقبل أسابيع أعلن مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي "يوروستات"، تباطؤ معدل تضخم أسعار المستهلكين في منطقة اليورو خلال ديسمبر الماضي وفق مع كان متوقعا بفضل استمرار تراجع أسعار الطاقة، لكن على الرغم من ذلك يرى الجوابرة في حديثه أن المركزي الأوروبي سيستمر في رفع أسعار الفائدة بمعدلات أعلى من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
واعتبر المحلل الاقتصادي الإماراتي أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وانخفاض القوة الشرائية للأوروبيين في الوقت الراهن من أهم المعطيات التي ستؤثر على القرار، مشيرا إلى موجة الاحتجاجات التي تتعرض لها عواصم أوروبية رئيسية مثل باريس، والإضرابات العمالية الكبرى التي تضرب لندن.
"بنك إنجلترا سيعمل أيضا على زيادة الفائدة بمعدلات أكبر، في سبيل السيطرة على التضخم ومحاولة الحفاظ على القدرة الشرائية"، حسبما يقول الجوابرة.
ووفق أحدث بيانات رسمية، سجّل التضخم في المملكة المتحدة في ديسمبر الماضي 10.5% على أساس سنوي، متراجعا من مستوى 10.7% في نوفمبر السابق عليه، لكنه ظل عند مستويات قياسية تاريخيا.
وستشهد بريطانيا أكبر موجة إضرابات عمالية مطلع فبراير الجاري، وسط دعوات النقابات لأكثر من نصف مليون موظف من عدم الذهاب إلى أعمالهم، اعتراضا على تدني الأجور والمطالبة برفع المرتبات مع تفاقم أزمة كلفة المعيشة في البلاد.
البلدان العربية
وحول تأثر البلدان العربية من استمرار سياسة التشدد النقدي، أوضح الجوابرة أن "هناك مجموعتين، مجموعة ستستفيد من ذلك وأخرى ستتأثر سلبا بشكل كبير".
وقال: "دول الخليج العربي ستكون هي المجموعة الأكثر استفادة من رفع الفيدرالي الأميركي لأسعار الفائدة، خصوصا أنها تربط عملاتها بشكل مباشر مع الدولار.. وهذا إلى جانب أنها دول مصدرة للنفط، وسيعزز الدولار القوي مقابل العملات العالمية من إيراداتها النفطية".
وعادة ما تتجه البنوك المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي باتخاذ قراراتها المتعلقة بأسعار الفائدة عقب ما يقرره مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، نظرا لأنها تربط أسعار صرف عملاتها المحلية بالدولار الأميركي وذلك باستثناء الكويت التي تربط سعر صرف الدينار بسلة مرجحة من العملات العالمية.
وأضاف الجوابرة: "بالنسبة للبلدان العربية التي ستتأثر، ستكون مصر ودول المغرب العربي على رأس أكثر المتضررين من استمرار سياسة الفيدرالي الأميركي المتشددة(..) لأن هذه البلدان تعتمد بشكل أساسي على الواردات السلعية وبالتالي سترتفع معدلات التضخم بشكل كبير، كما ستتعرض عملات الدولة التي تتبنى سياسة صرف مرنة إلى خسائر".
ومن المقرر أن يعقد البنك المركزي المصري، اجتماع لجنة السياسة النقدية لبحث أسعار الفائدة غدا الخميس، ويتوقع الجوابرة أن تتجه مصر إلى زيادة جديدة في سعر الفائدة على الجنيه.
ركود محتمل
ولا يستبعد المحلل الاقتصادي الإماراتي في حديثه، من أن تدفع قرارات البنوك المركزي نحو زيادة فرص حدوث ركود اقتصادي عالمي، مضيفا: "حتى لو لم يحدث ركود سيكون هناك تباطؤا اقتصاديا(..) هناك دلائل كثيرة على حدوث ذلك في المستقبل(..) منها ارتفاع معدلات البطالة وزيادة إجراءات التخلي عن الموظفين في المؤسسات والشركات الكبرى".
وفي مطلع العام الجاري، حذّر رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس من اقتراب الاقتصاد العالمي من وضع الركود، حيث أبدى قلقه من خطر استمرار التباطؤ، قائلا: "تقديراتنا للنمو العالمي بين عامي 2020 و2024 ستكون أقل من 2%. وهذا النمو هو الأضعف في خمس سنوات منذ عام 1960".
وفي تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية، الصادر في يناير الماضي، أشار البنك الدولي إلى تباطؤ النمو العالمي بشكل حاد، متوقعا أن ينمو الناتج الاقتصادي العالمي بنسبة 1.7% فقط في عام 2023.
كما حذّر خبراء الاقتصاد في البنك الدولي من أن الأزمة ستكون واسعة الانتشار وأن أي تطورات سلبية ستشكل خطرا على دفع الاقتصاد العالمي للركود، إذ إن تباطؤ النمو سيؤثر على 95% من الاقتصادات المتقدمة وعلى حوالي 70% من الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.