نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال السنوات الماضية في تصدر قائمة أهم 5 دول تضخ استثمارات تنموية في القارة الإفريقية، في وقت عانت فيه دول القارة السمراء من التهميش والإهمال وتردي الأوضاع الاقتصادية، وتراجع الوظائف وزيادة التضخم وترهل اقتصاديات العدد الأكبر من دول القارة.
وبحسب وكالة "بلومبرغ" تعدّ دولة الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لدول إفريقيا جنوب الصحراء بعد الصين في تنمية القارة السمراء، وتوسيع علاقاتها التجارية مع المنطقة، في إطار جهودها لتعزيز أمنها الغذائيّ والاستفادة من النمو السريع في بعض الاقتصادات الإفريقية.
وخلال العقد الماضي وقعت الإمارات قرابة 35 اتفاقا اقتصاديا شمل شراكة اقتصادية حول العالم، منهم 10 اتفاقيات داخل القارة الإفريقية، من أجل تعزيز حركة التجارة في إطار رؤية إفريقيا 2063.
استثمارات إماراتية متنوعة
وبحسب تقرير "بلومبرغ"، فإن الإمارات ضخّت بالفعل استثمارات في قطاعات متنوعة في إفريقيا، من الزراعة والطاقة المتجددة إلى الموانئ، كما وسّعت حضورها في قطاع الخدمات، خصوصا شركات الطيران في القارة.
وانضمت الإمارات إلى صفوف كبار المستثمرين في القارة، مثل أوروبا والصين والولايات المتحدة، في إطار الدور الحيوي الذي تلعبه الدولة الخليجية من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة في القارة السمراء.
الإمارات استثمرت قرابة 119 مليار دولار في إفريقيا بين عامي 2020 و2024، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، وتجاوزت قيمة التبادل التجاري مع دول إفريقيا جنوب الصحراء 75 مليار دولار خلال 2024، أي ما يزيد بثلاثة أضعاف عن مستواها قبل 10 سنوات.
اتفاقيات شراكة اقتصادية
ونقلت "بلومبرغ" خلال قمة مجموعة الـ20 التي انعقدت في جوهانسبرغ في 22 نوفمبر 2025، أن الإمارات تجري مفاوضات لتوقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة حول التجارة مع عدد من الدول الإفريقية، تُضاف إلى اتفاقات مشابهة أبرمتها سابقا مع دول من بينها موريشيوس والمغرب وجمهورية إفريقيا الوسطى.
أكد الباحث الاقتصادي محمود كاظم، رئيس وحدة دراسات الخليج في مركز التعاون والاتحاد، أن تصاعد الحضور الإماراتي في إفريقيا يعكس تحوّلات مدروسة في السياسة الاقتصادية الخارجية للدولة، تقوم على بناء شراكات تنموية طويلة الأمد وليس مجرد توسيع نطاق النفوذ الاستثماري.
وقال كاظم لـ"المشهد" إنّ وصول الإمارات إلى المرتبة الرابعة عالميًا بين أكبر المستثمرين في القارة الإفريقية، بعد الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، يمثل ثقلا اقتصاديا ودبلوماسيا، مشيرا إلى أن ضخ هذه المليارات يضع الإمارات في صدارة الدول العربية والخليجية من حيث حجم الاستثمارات الموجهة للقارة السمراء.
وأوضح أن ما يميز التجربة الإماراتية هو طبيعة القطاعات التي تستهدفها، حيث تم توجيه أكثر هذه الاستثمارات لقطاعات الطاقة والطاقة المتجددة والمشروعات الخضراء، وهو ما يعكس أولويات التنمية في إفريقيا على الأجندة الإماراتية، خصوصا في ظل التحديات المرتبطة بنقص الطاقة والتحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون.
نقل الخبرات في الموانئ والبنية التحتية
وأضاف أنّ الإمارات لم تتعامل مع إفريقيا باعتبارها سوقا تقليديا، بل كمساحة للنمو القوي في المستقبل، لافتا إلى أن الشركات الإماراتية نقلت خبراتها في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية والبنية التحتية إلى عدد من الدول الإفريقية، ما أسهم في تعزيز سلاسل الإمداد وتحسين بيئة الاستثمار في تلك الدول.
وفي تعليقه على نتائج قمة الإمارات وإفريقيا للاستثمار السياحي 2025 التي عُقدت في دبي، قال الباحث الاقتصادي، إن استعراض أكثر من 100 مشروع استثماري بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار، مع توقعات بتوفير ما يزيد على 70 ألف فرصة عمل، يؤكد أن الشراكة دخلت مرحلة أكثر تنظيما واستكمالا لما تم إعلانه في 2024 بشأن تدشين منصة إماراتية لمساندة الشركات التي تسعى للاستثمار في إفريقيا.
وشدد كاظم على أن الحضور الإماراتي في القارة جاء في توقيت كانت فيه بعض الاقتصادات الإفريقية تعاني من فجوات تمويلية وتراجع في الاستثمارات الدولية، ما منح الإمارات فرصة للتمركز كشريك يُعتمد عليه في دعم مشروعات البنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي.
بوابة إفريقيا للاستثمار الإماراتي
أطلقت وزارة الاقتصاد الإماراتية منصتها الرقمية "بوابة إفريقيا للاستثمار الإماراتي - UAE AFRICA GATEWAY"، منتصف 2024، بهدف تحفيز الشركات العاملة في الدولة على الاستثمار والتوسع بالأسواق الإفريقية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية بين الإمارات وإفريقيا، وزيادة الاستثمارات المتبادلة بين الجانبين، خلال المرحلة المُقبلة في العديد من القطاعات الاقتصادية الجديدة والحيوية.
ويأتي تدشين المنصة، في إطار جهود دعم قدرة الشركات المحلية على التوسع في أسواق جديدة غنية بالفرص الاستثمارية المتميزة ودعم الاستفادة منها، وتعزيز رؤية الإمارات في الاستثمار بالأسواق الإستراتيجية والواعدة، وترسيخ مكانتها في ضوء مستهدفات "رؤية نحن الإمارات 2031".
وتقدم بوابة إفريقيا للاستثمار الإماراتي، خريطة تكشف الفرص الاستثمارية في 15 دولة إفريقية، وذلك من خلال إتاحة معلومات وحقائق تفصيلية عن هذه الدول مثل مؤشرات الاقتصاد الكلي، وبيئة الأعمال، والبيئة التنظيمية والقانونية، والحوافز الاستثمارية، والقطاعات الواعدة، والفرص الاستثمارية وقصص نجاح الشركات.
تأهيل الشركات الإماراتية للاستثمار في إفريقيا
ستوفر البوابة برامج لدعم وتأهيل 15 شركة إماراتية للاستثمار في الدول الإفريقية المستهدفة، من خلال إنشاء حساب مخصص لكل شركة على البوابة، وتعيين مدير حساب لها، بهدف تسهيل الاجتماعات الثنائية مع شركاء الأعمال المحتملين وأصحاب المصلحة في الدول المستهدفة، والإشراف على أنشطتها الاستثمارية وتحسينها ومتابعتها بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وتمكِّن المنصة الشركات في الدولة بالاستفادة من أكثر من 50 شراكة اقتصادية إستراتيجية، مع الشركات والحكومات المحلية الإفريقية، لتعزيز النمو المستدام والمنافع المتبادلة، والوصول إلى أكثر من 100 مشروع قابل للتمويل وجاهز للاستثمار في 12 قطاعا اقتصاديا واعدا هي، التعدين، العقارات والبناء، التصنيع، النقل والخدمات اللوجستية، التعليم، الزراعة، التمويل، الصحة، السياحة، الطاقة، البيئة، التكنولوجيا المتقدمة.
وتعمل المنصة على تعزيز فرص الاستثمار للشركات الإماراتية في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ودعم العلاقات المتبادلة بين الشركات، واستكشاف الفرص الواعدة، إلى جانب رفع مستوى التعاون بين الأسواق الإماراتية والإفريقية، وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام في المنطقة، من خلال ربط الشركات والمستثمرين وتبادل البعثات التجارية وإقامة الفعاليات المتميزة وبناء الشراكات الاقتصادية المثمرة.
مبادرة بوابة الإمارات إلى إفريقيا، تستهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثمار بين دولة الإمارات والدول الإفريقية، وتركز على خلق نمو مستدام ومنافع متبادلة، من خلال الشراكات الإستراتيجية وفرص الاستثمار في مختلف القطاعات بحسب وزارة الاقتصاد.
ويمكن استكشاف الفرص الاستثمارية المدرجة على الموقع الإلكتروني الخاص بالمنصة، حيث تقدم المنصة حقائق مفصلة ورؤى السوق للمساعدة على اتخاذ قرارات استثمارية مستنيرة، كما توفر المنصة مجموعة متنوعة من الأحداث، بما في ذلك البعثات التجارية ومنتديات الاستثمار ومؤتمرات القمة والمؤتمرات والمعارض، وتوفر هذه الأحداث منصات للتواصل والمناقشات واستكشاف فرص الاستثمار في مختلف القطاعات.
حوار إماراتي إفريقي
وأطلقت الإمارات قبل أقل من عامين منتدى الحوار الإفريقي The Africa Debate – UAE في دبي، بالتعاون مع مؤسسة Invest Africa بهدف استكشاف الفرص الاقتصادية والتجارية والاستثمارية الناشئة في قارة إفريقيا، وتعزيز التعاون بين الأسواق الآسيوية والإفريقية عبر دولة الإمارات في القطاعات ذات الاهتمام المشترك.
وكشف المنتدى، أن الإمارات تحتل المرتبة الأولى من بين دول مجلس التعاون الخليجي والـ4 عالميا في الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، وتعمل في دولة الإمارات أكثر من 21 ألف شركة إفريقية في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، حيث تعد دولة الإمارات وجهة تصديرية محورية للأسواق الإفريقية.
كما دعمت الإمارات العربية المتحدة ميناء ندايان في السنغال بتكلفة 1.2 مليار دولار، أكبر استثمار خاص في تاريخ البلاد، مما يُعزز القدرات اللوجستية في غرب إفريقيا، وفي أنغولا، تستثمر مجموعة موانئ الإمارات 380 مليون دولار لتوسيع محطة لواندا.
وفي الوقت نفسه، في كينيا ومالي، يدعم التمويل الميسر من الإمارات مشاريع الطرق والري بموجب اتفاقيات ثنائية جرى الاتفاق عليها 2025، وتهدف هذه المشاريع إلى تعزيز البنية التحتية، وتيسير التجارة، ودعم المرونة الاقتصادية على المدى الطويل.
مبادرات الإمارات في القارة
وأطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرات رائدة مثل "الاتحاد 7"، التي تهدف إلى توفير الكهرباء المتجددة لـ100 مليون شخص في إفريقيا بحلول عام 2035، وبرنامج "مصدر" لإفريقيا بقيمة 10 مليارات دولار، والذي يهدف إلى نشر 10 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في جميع أنحاء القارة.
وفي توغو، طوّرت شركة "أميا باور" محطة الشيخ محمد بن زايد للطاقة الشمسية بقدرة 50 ميغاواط، لتزويد أكثر من 220 ألف منزل بالطاقة، وفي إثيوبيا، ستوفر اتفاقية مزرعة رياح "عائشة 1"، الموقعة عام 2024، 300 ميغاواط، لتزويد 4 ملايين أسرة بالطاقة.
وأطلقت دولة الإمارات مبادرة الاستثمار الأخضر في إفريقيا عام 2023، بقيمة 4.5 مليار دولار، لدعم أكثر من 50 مشروعًا للطاقة النظيفة في إفريقيا، تشمل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الحرارية الأرضية، وتخزين البطاريات، والهيدروجين الأخضر.
وعلى مدار عقود، نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في لعب دور مهم ورائد، كشريك موثوق به في التنمية والاستثمار في إفريقيا، من خلال مواءمة رأس المال مع الأولويات الوطنية ودعم رؤية مشتركة مستقبلية للازدهار والاستقرار والنمو المستدام لأبناء القارة.