يتمتع المغرب بثروة بحرية تنمي اقتصاد البلد، تخلق فرص شغل، وتوفر الغذاء. لكن هذه الثروة تعاني اليوم من تحديات عدة اشتد وقعها في زمن كورونا، ولعل أبرزها وضع استراتيجية للاستفادة من "الاقتصاد الأزرق" الذي يُطور من عائدات الثروات البحرية والشاطئية ويساهم في استمراريتها للأجيال القادمة.
في عام 2020، أكد الملك محمد السادس على أهمية الاقتصاد الأزرق لتنمية الأقاليم الجنوبية، قائلا "العمل سيتواصل على تطوير اقتصاد بحري حقيقي بالأقاليم الجنوبية لما تتوفر عليه، في برها وبحرها، من موارد وإمكانات، كفيلة بجعلها جسرا بين المغرب وعُمقه الإفريقي".
في السياق، كشف تقرير حديث للبنك الدولي عن المعيقات التي تحول دون تحقيق أهداف الاقتصاد الأزرق وتحسين ثقة المستثمرين فيه بالمملكة. فما هو أولا الاقتصاد الأزرق؟ وما مقوماته ومعوقاته في المغرب؟
ما هو الاقتصاد الأزرق؟
تساهم المحيطات والبحار والمناطق الساحلية في الأمن الغذائي والقضاء على الفقر، حيث يستخدم أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم المحيطات للحصول على الغذاء، و80% من التجارة العالمية تتم عبر البحار.
وتُطور دول العالم اقتصادات المحيطات من خلال استغلال الموارد البحرية عبر توفير سلاسل التوريد والشحن، واتفاقيات الصيد، وتطوير إمدادات النفط والغاز والمعادن.
لكن في كثير من الأحيان، لا يهتمون بشكل كافٍ بتأثير هذه الأنشطة على الصحة أو الإنتاجية المستقبلية لنفس الموارد والنظم البيئية في المحيطات.
من هنا جاء مفهوم "الاقتصاد الأزرق"، وهو اقتصاد يوفر رؤية أكثر شمولية تحتضن النمو الاقتصادي، عندما يكون مستداما ولا يضر بالقطاعات الأخرى.
على غرار "الاقتصاد الأخضر"، يجلب الاقتصاد الأزرق نموا للدولة لكن مع مراعاة الاستدامة البيئية.
ويهدف الاقتصاد الأزرق لمساعدة الدول الضعيفة على التخفيف من الآثار المدمرة للفقر وتغير المناخ، إضافة إلى عدم إعطاء الأولوية للفوائد الاقتصادية على حساب التدهور البيئي.
المشاكل التي تعاني منها النظم البيئية البحرية لها تداعيات خارج السواحل، قد تصل إلى تهديد أمن البشرية واستقرارها.
ويعتبره الاتحاد الأوروبي الاقتصاد الأزرق عنصرًا رئيسيًا في كل من الصفقة الخضراء الأوروبية والانتعاش الاقتصادي بعد أزمة فيروس كورونا.
ويساهم الاقتصاد الأزرق في التخفيف من آثار تغير المناخ من خلال تطوير الطاقات المتجددة في أعالي البحار، وإزالة الكربون من النقل البحري، وإضفاء الطابع البيئي على الموانئ.
وبالمثل، فإن تطوير البنية التحتية الخضراء في المناطق الساحلية سيساعد في الحفاظ على التنوع البيولوجي والمناظر الطبيعية، مع إفادة السياحة والاقتصادات الساحلية.
وهي أيضا العلامة التجارية التي يتم بموجبها إطلاق مشاريع لتطوير الاقتصاد الدائري للقطاع وإعادة تدوير السفن وإزالة المنصات البحرية غير المستخدمة.
تقرير البنك الدولي
ويؤكد على أهمية الاقتصاد الأزرق تقارير دولية عدة، آخرها تقرير البنك الدولي الذي لفت إلى ضرورة التعاون بين الحكومة المغربية والجهات الفاعلة في القطاع الخاص والصيادين الحرفيين لتمكين المغرب من الحفاظ على مصايد الأسماك وتطويرها.
ويؤكد التقرير، الذي يهدف إلى تحديد طريقة الحوكمة التي يمكن أن تزود جميع مستخدمي موارد المحيطات بالبيانات التي يحتاجونها، على أهمية النهج متعدد القطاعات لتنمية الاقتصاد البحري في المغرب.
وتشمل المبادئ العامة للنهج المقترح من قبل البنك الدولي بشكل خاص التأمينات للتخفيف من حدة النزاعات في استخدام الموارد بين مختلف أصحاب المصلحة.
ويضيف التقرير أن هذا النهج يمكن أن يحسن ثقة المستثمرين في مرافق الدولة ومنتجاتها وبالتالي الرفع من مداخيل هذا القطاع الحيوي.
ولكن على الرغم من التنوع البيولوجي الغني والبيئة البحرية في هذا البلد الواقع في شمال إفريقيا، مع وجود أكثر من 600 نوع سمكي، إلا أن تطور القطاع يعيقه التعاون المحدود بين مختلف الجهات الفاعلة والسياسات المجزأة.
مع تحديد حكومة البلاد هدفا لخلق 450 ألف وظيفة بحرية في عام 2021، واستراتيجية هاليوتيس لعام 2020 التي تستهدف النمو في تربية الأحياء المائية، فإن المغرب في وضع جيد يؤهله لتأسيس مستقبل قوي للاقتصاد الأزرق، حسب التقرير.
وبالإضافة إلى صيد الأسماك، تخطط الدولة لاستخدام مواردها البحرية في زراعة الأعشاب البحرية، وتحلية المياه، والطاقة المتجددة لاستفادة بشكل أكبر من اقتصادها الأزرق.
ثروة بحرية هائلة في المغرب
في السياق، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي أبو العرب أن قطاع الصيد البحري في المغرب حافظ على أهميته وعلى أداءه ما بعد أزمة كورونا في المنظومة الاقتصادية الوطنية.
وذكّر الخبير المغربي في حديثة لمنصة "المشهد" بالثروة البحرية الهائلة التي يشهدها المغرب، حيث لطالما كان الاقتصاد الأزرق في المغرب جزءا حيويا من تركيبته الاقتصادية، حيث تساهم المناطق الساحلية في البلاد بنسبة 59% في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وتوفر 52% من الوظائف.
ويضيف المتحدث ذاته أن قطاع الثروة السمكية وحده يشكل 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي للمغرب ويوفر 700 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
واعتبر أبو العرب أن الثروة البحرية في المغرب تكاد تنحصر في الصيد البحري في حين أن الثروة الحقيقية أكبر من هذا بكثير، على حد تعبيره.
وأشار أبو العرب إلى عدد من مصادر الثروة مثل تربية الأحياء البحرية والتنقيب عن النفط والطاقة والسياحة الساحلية والطاقات البحرية المتجددة.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن البنك الدولي قدّم قرضا مهما للمغرب سنة 2022 لإطلاق استراتيجيات تُبنى على التمكن من الثروة البحرية من خلال اعتماد تقنيات جديدة مثل التخطيط الفضائي البحري وهو عبارة عن عملية تقوم بها السلطات لتحليل وتوزيع الحيز المكاني والزماني للأنشطة البشرية في المناطق البحرية لتحقيق الأهداف الإيكولوجية والاقتصادية.
ونبّه أبو العرب إلى الرؤية التقليدية للثروة البحرية في المغرب هي التي تعرقل الاستفادة من عائدات الاقتصاد الأزرق.
في المقابل، نوّه أبو العرب بالمجهودات في الصحراء المغربية الرامية إلى خلق منظومة محلية لإنتاج الأعلاف المائية وتعزيز الثروة في المنطقة والتنقيب عن الغاز.
معوقات تنمية الاقتصاد البحري
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن الأسطول البحري للمملكة يساهم بشكل كبير في خلق الثروة، مشيرا إلى أنه في عام 2022 كانت واردات الثروة السمكية تناهز 80 مليار درهم.
لكن الخبير الاقتصادي أكد في حديثه لمنصة "المشهد" على عدد من الإشكاليات تُعيق تطور القطاع، أهمها:
- إشكالية تكوين الأطر في القطاع البحري لرفع من فاعليتهم وتحسين جودة المردودية.
- قطاع الصيد البحري يعاني من الريع وخروقات في مجال رخص الاستغلال.
- مشاكل في تسويق المنتوجات البحرية في الأسواق المغربية تحديدا الوسطاء الذين يحققون أرباحا على حساب المستهلكين.
- تكلفة استغلال الأسطول البحري مكلفة خصوصا في ظل ارتفاع أسعار الطاقة التي لا يمكن تحملها.
إضافة إلى ما سبق، يؤكد خبراء أن الصيد غير القانوني والتلوث البحري والسياحة العشوائية والتنمية الساحلية غير المخطط لها هي عوامل خطر أخرى تعيق التنفيذ الفعال للاقتصاد الأزرق.
ووفقا للبنك الدولي، فالاقتصاد الأزرق في إفريقيا بشكل عام، يواجه مجموعة واسعة من التحديات والمخاطر، من الاستغلال المفرط لمصايد الأسماك إلى تآكل السواحل وفقدان التنوع البيولوجي وغيرها من تداعيات التغير المناخي.