تفتح العلاقة بين إيران ودولة الإمارات، بابًا واسعًا لقراءة المشهد الإقليمي من زاوية اقتصادية تتجاوز الاعتبارات السياسية والأمنية المباشرة، إذ ترتبط طهران مع السوق الإماراتية بشبكة مصالح كبيرة، تشمل التجارة غير النفطية، وحركة رجال الأعمال، والجالية الإيرانية الواسعة، والأنشطة التجارية الممتدة خصوصًا في إمارة دبي.
وفي ظل هذه التشابكات، يبرز سؤال جوهري حول مدى قابلية هذه المصالح للتأثر، إذا اتجهت التوترات الإقليمية إلى مستويات أعلى، وما إذا كانت طهران يمكن أن تخاطر بإرباك إحدى أهم بواباتها الاقتصادية في الخليج.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية والإستراتيجية، إنّ الإمارات تتمتع بخصوصية كبيرة، باعتبارها واحدة من أهم الدول الحاضنة للاستثمار في المنطقة، إذ تضم بيئة أعمال واسعة ومتنوعة تستوعب جنسيات متعددة من المستثمرين ورجال الأعمال، وهو ما يمنحها ثقلًا اقتصاديًا واستثماريًا يصعب تجاهله في أيّ حسابات إقليمية.
الإمارات في صدارة الشرايين التجارية لإيران
وأضاف الشافعي في حديثه لمنصة "المشهد"، أنّ "الحديث عن استهداف إيران للإمارات أو لدول خليجية أخرى، يجب النظر إليه بعقلانية شديدة، لأنّ جوهر الصراع بالنسبة لطهران، يرتبط بالولايات المتحدة وإسرائيل، وليس باستهداف الدول الخليجية في حد ذاتها".
بحسب رويترز، بلغت واردات إيران من الإمارات 20.8 مليار دولار في العام المالي الإيراني المنتهي في مارس 2024، ما جعل الإمارات أكبر مصدر للواردات الإيرانية، بينما بلغت صادرات إيران إلى الإمارات 6.6 مليارات دولار خلال الفترة نفسها.
وتعكس هذه الأرقام وزنًا كبيرًا للإمارات في حركة التجارة الإيرانية، ليس فقط كسوق قريبة، بل أيضًا كبوابة رئيسية للسلع والخدمات وسلاسل الإمداد.
وتعززت هذه الصورة في بيانات أحدث نقلتها "طهران تايمز" عن مسؤولين جمركيين إيرانيين، إذ أشارت إلى أنّ صادرات إيران غير النفطية إلى الإمارات، بلغت 7.2 مليارات دولار في العام الإيراني المنتهي في 20 مارس 2025، مقابل 21.9 مليار دولار صادرات إماراتية إلى إيران، بما يرفع إجمالي التجارة غير النفطية بين البلدين إلى نحو 29.1 مليار دولار.
التصعيد يواجه ثقل المصالح الاقتصادية
لا تتوقف أهمية الإمارات بالنسبة إلى إيران عند حدود التبادل التجاري المباشر، بل تمتد إلى كونها مركزًا لوجستيًا وماليًا وتجاريًا يمنح الشركات الإيرانية ورجال الأعمال، مساحة أوسع للحركة والتعامل مع الأسواق الإقليمية والدولية.
وقال خبير العلاقات الدولية ومستشار المركز العربي للدراسات أبو بكر الديب، إنّ إيران تبدو وكأنها تفرّط في واحدة من أهم دوائرها الاقتصادية في الخليج، بدلًا من العمل على الحفاظ على علاقاتها مع الدول الخليجية التي شكلت لسنوات متنفّسًا تجاريًا مهمًا لها، وعلى رأسها الإمارات.
وأضاف الديب، أنّ الإمارات لم تكن مجرد شريك تجاري عابر بالنسبة إلى إيران، بل مثلت أحد أهم مصادر التوريد إليها، إلى جانب دورها المحوري كمركز لإعادة التصدير، وهو ما جعل العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، تمثل شريانًا رئيسيًا في الاقتصاد الإيراني، خصوصًا في ظل الضغوط والعقوبات التي واجهتها طهران على مدار السنوات الماضية.
وأشار إلى أنّ أيّ تصعيد إيراني تجاه دول الجوار، وخصوصًا إذا اتخذ طابعًا عدائيًا غير مبرر، قد يدفع هذه الدول إلى مراجعة علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع طهران، بما في ذلك اللجوء إلى إجراءات مضادة قد تصل إلى تقليص هذه العلاقات أو قطعها، باعتبار ذلك جزءًا من ردّ الفعل المشروع، على ما وصفه بالسلوك الإيراني التصعيدي تجاه محيطه الإقليمي.
كما أنّ تقديرات سابقة نقلتها رويترز عن مسؤولين في مجلس الأعمال الإيراني، تحدثت عن وجود نحو 8,000 شركة أو تاجر أو كيان تجاري إيراني في دبي، وهو رقم يعود إلى سنوات سابقة ولا يمثل إحصاءً نهائيًا محدّثًا، لكنه يظل مؤشرًا واضحًا على الحجم التاريخي للحضور الاقتصادي الإيراني في الإمارات، وعلى عمق المصالح المتداخلة التي تراكمت عبر سنوات طويلة.
الجالية الإيرانية في الإمارات.. ثقل اجتماعي يوازي المصالح التجارية
إلى جانب التجارة والأعمال، تحتفظ الإمارات بحضور إيراني كبير على المستوى السكاني والاجتماعي.
وبحسب رويترز، تضم دبي والإمارات جالية إيرانية كبيرة تقدّر بمئات الآلاف، فيما أشارت صحيفة "لوموند" في تقرير خلال يونيو 2025، إلى أنّ عدد أفراد الجالية الإيرانية الكبيرة في دبي يتجاوز 600 ألف شخص.
ورغم غياب رقم رسمي حديث ونهائي منشور على نطاق واسع يحسم العدد بدقة كاملة، فإنّ الثابت أنّ الإمارات تستضيف واحدة من أكبر الجاليات الإيرانية خارج إيران.
هذا الحضور لا يمنح العلاقة بعدًا سكانيًا فقط، بل يكشف كذلك عن شبكة مصالح اجتماعية وإنسانية وتجارية يصعب فصلها عن الحسابات الاقتصادية، فالجالية الإيرانية ترتبط بأعمال وتحويلات وتجارات وعلاقات ممتدة، وهو ما يرفع كلفة أيّ اضطراب طويل قد ينعكس على بيئة الأعمال أو الحركة أو الاستقرار.
دبي مركز حيوي للأعمال الإيرانية في المنطقة
وأوضح خالد الشافعي، أنّ إيران تتحرك من منطلق الدفاع عن وجودها وأمنها الإستراتيجي، ولذلك فإنّ حساباتها في أيّ تصعيد عسكري، تتركز بالأساس على مصادر التهديد المباشر لها، لا على توسيع دائرة الاستهداف إلى مجتمعات مدنية أو دول تحتضن استثمارات وجاليات إيرانية أو مصالح اقتصادية وتجارية متداخلة.
وأكد الشافعي، أنّ أيّ تصعيد واسع يطال الإمارات، من شأنه أن يضع تحت الضغط جزءًا من المصالح الإيرانية نفسها.
ومن الناحية الاقتصادية، الإمارات بالنسبة إلى إيران ليست طرفًا في معادلة التوتر الإقليمي، بل تمثل منفذًا مهمًا للاستيراد وإعادة التصدير وحركة رجال الأعمال. ولذلك فإنّ أيّ إرباك واسع يطال هذا المنفذ، قد ينعكس على التجارة والشحن والتمويل والثقة في بيئة الأعمال، وهو ما يجعل كلفة التصعيد باهظة.
أما الجالية الإيرانية، فالأرجح أن تظل جزءًا راسخًا من المشهد المجتمعي والاقتصادي في الإمارات، لكنّ استمرار التوتر قد ينعكس على السفر والتحويلات وبيئة الأعمال اليومية، خصوصًا إذا طال أمد الاضطراب أو اتسعت تداعياته الإقليمية، وهنا تبرز حساسية العلاقة، لأنّ أيّ اهتزاز في الاستقرار الاقتصادي لا يطال دولة واحدة فقط، بل يمتد أثره إلى شبكات مصالح إقليمية كاملة.
الإمارات في الحسابات الإيرانية: بوابة مصالح لا يمكن تجاهلها
واختتم الشافعي تصريحه بالتأكيد أنّ المشهد الإقليمي شديد التعقيد، لكن من المهم التمييز بين الأهداف العسكرية المرتبطة بالصراع، وبين الدول التي تمثّل مراكز استثمار وأعمال واستقرار اقتصادي في المنطقة، لأنّ الخلط بين الأمرين قد يؤدي إلى قراءات غير دقيقة للموقف.
تكشف الأرقام والمعطيات، أنّ الإمارات ليست بالنسبة إلى إيران مجرد جار خليجي أو ساحة محتملة للتوتر، بل تعدّ إحدى أهم البوابات الاقتصادية المرتبطة بتجارتها الخارجية ومجتمع أعمالها وجاليتها في الخليج.
ومن ثم، فإنّ أيّ تصعيد واسع من شأنه أن يضع هذه المصالح تحت ضغط مباشر، وهو ما يجعل من كلفة الاضطراب الاقتصادي عاملًا لا يمكن استبعاده في قراءة أيّ سيناريو محتمل.