خلال السنوات الماضية نجحت دولة الإمارات في تطوير علاقاتها مع الدول الإفريقية التي تمتلك أسواقاً واعدة وخصبة بالفرص التجارية والاستثمارية، وخاصة إثيوبيا التي تعد ثاني أكبر دول القارة من حيث عدد السكان بأكثر من 120 مليون نسمة، ما يجعلها سوقاً مهمة للصادرات الإماراتية غير النفطية، وكذلك أرض استثمارية خصبة دفعت الدولة الخليجية إلى توجيه استثمارات لها في إطار إستراتيجية واضحة لتنمية الدول الإفريقية.
العلاقات التجارية مع إثيوبيا
تواصل العلاقات التجارية والاستثمارية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إثيوبيا الفيدرالية ترسيخ مكانتها كنموذج رائد للتعاون الاقتصادي في منطقة القرن الإفريقي، حيث كشفت أحدث البيانات الاقتصادية وصول حجم التبادل التجاري غير النفطي إلى آفاق جديدة، مدفوعاً باتفاقيات تاريخية في قطاعات الطاقة والمصارف والأمن الغذائي.
تتربع الإمارات على قائمة أهم الشركاء التجاريين لإثيوبيا عالمياً، حيث تضاعف حجم التجارة البينية أكثر من 7 مرات على مدار العقد الأخير، متجاوزاً حاجز الـ1.4 مليار دولار سنوياً، وتتنوع سلة الصادرات الإثيوبية إلى الأسواق الإماراتية لتشمل الذهب واللحوم والبن، في مقابل تدفقات قوية للسلع والمنتجات المصنعة الإماراتية نحو السوق الإثيوبي الواعد.
وشهدت الأعوام الأخيرة نقلة نوعية في تسهيل حركة التجارة، تمثلت في تفعيل اتفاقية "مقايضة العملات المحلية" بقيمة 3 مليارات درهم (817 مليون دولار) بين المصرفين في الإمارات وإثيوبيا، بهدف تقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في التسويات التجارية، وتوفير سيولة مالية تدعم المستوردين والمصدرين في كلا البلدين، مما يعزز كفاءة المعاملات البينية.
استثمارات نوعية في الطاقة
وفي سياق تعزيز التنمية المستدامة، تقود شركة مصدر الإماراتية جهوداً ضخمة لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية في إثيوبيا بقدرة إجمالية تصل إلى 2000 ميغاواط، كجزء من التزام إماراتي أوسع لدعم البنية التحتية الإثيوبية، وتتكامل هذه الاستثمارات مع سجل حافل من المساعدات التنموية الإماراتية التي تجاوزت 5 مليارات دولار، وُجهت غالبيتها لقطاعات حيوية تخدم الاقتصاد المحلي.
وفي إطار التعاون الرقمي، وقعت الإمارات وإثيوبيا مذكرات تفاهم لربط أنظمة الدفع الرقمي والمراسلات المباشرة بين البنوك في البلدين، مما يمهد الطريق لتدفق استثماري أكثر سلاسة، وتأتي هذه التحركات ضمن إستراتيجية الإمارات الكبرى لتعزيز حضورها في القارة الأفريقية، والتي تجاوزت استثماراتها الإجمالية فيها عتبة الـ 110 مليارات دولار، لتظل أديس أبابا حجر الزاوية في هذه الرؤية الطموحة لدعم الإمارات للتنمية الحقيقية في دول القارة الإفريقية.
وبلغ إجمالي الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا 2.9 مليار دولار بحسب إحصاءات نهاية 2023، موزعة على 4 قطاعات رئيسية هي الصناعات الدوائية، والألمنيوم، والأغذية والمشروبات، والكيماويات، كما تمتد الاستثمارات الإماراتية لتشمل قطاعات واعدة مثل العقارات، والمستودعات والتخزين والخدمات اللوجستية والموانئ.
توفير الكهرباء في إثيوبيا
ونجحت الإمارات في تنفيذ ودعم عدد من المشروعات التنموية في إثيوبيا، منها مزرعة الرياح "عيشة 1" وهو المشروع الذي تم توقيعه في 2024 لإنتاج 300 ميغاواط، بما يتيح الطاقة لنحو 4 ملايين أسرة في المناطق الإثيوبية الأكثر احتياجاً.
وتعمل وزارة الاقتصاد في الإمارات، لتكوين قاعدة صلبة يمكن من خلالها مواصلة تحفيز التجارة البينية الإماراتية الإثيوبية، وخصوصاً أن الدولتين لديهما تنوع في السلع والبضائع التي يمكن تبادلها، وتحقيق تكامل تجاري من خلالها، بالإضافة إلى أن دولة الإمارات يمكنها أن تتيح أسواقاً جديدة للصادرات الإثيوبية عبر شبكة شركائها التجاريين حول العالم، كما أن إثيوبيا يمكنها أن تمثل ممراً مهماً للصادرات الإماراتية وعمليات إعادة التصدير من الدولة إلى شرق إفريقيا وباقي دول القارة.
تحرص دولة الإمارات على استمرار تطوير علاقاتها التجارية والاستثمارية مع إثيوبيا، والارتقاء بها إلى مستويات جديدة باعتبارها واحدة من البوابات التجارية المهمة إلى إفريقيا، ووجهة استثمارية واعدة توفر فرصاً متعددة لامتلاكها اقتصاداً سريع النمو، بالإضافة إلى أن إثيوبيا تعد عاملاً مؤثراً في استقرار القارة الإفريقية.
شراكة اقتصادية أكثر زخمًا
في تعليقه على تطورات التعاون الاقتصادي بين دولة الإمارات وإثيوبيا، قال عبد الغني الشرقاوي، الباحث في كلية الدراسات الإفريقية، إن ما نشهده من تطور العلاقات الاقتصادية للإمارات في إفريقيا عموما لا يقتصر على زيادة في أرقام التجارة أو حجم الاستثمارات، بل يعكس طبيعة علاقات جديدة تقوم بها الإمارات منذ سنوات عدة تجاه عدد من الدول الإفريقية.
وأوضح "الشرقاوي" خلال حديث مع "المشهد"، أن القفزة الكبيرة في التبادل التجاري خلال السنوات الأخيرة تشير إلى دخول العلاقة مرحلة أكثر زخما، حيث باتت المصالح متبادلة ومتكاملة، مشيرًا إلى أن إثيوبيا تمثل سوقًا واعدة داخل شرق إفريقيا لا يمكن التغافل عنه عند قراءة الحركة الاقتصادية للإمارات في إفريقيا.
استثمارات طويلة
وأضاف أن تنوع الاستثمارات الإماراتية في قطاعات مثل الصناعات الغذائية، والكيماويات، والطاقة، والبنية التحتية، يعكس اتجاها إستراتيجيا طويل المدى، وليس استثمارات قصيرة الأجل تبحث عن عوائد سريعة فقط من أجل تحقيق تنمية حقيقية في إفريقيا وتحقيق أيضا عوائد للإمارات بوصفها أحد أهم الدول المستثمرة في القارة الإفريقية.
ولفت إلى أن دخول أكثر من 100 شركة إماراتية إلى السوق الإثيوبي يمنح دفعة قوية لخطط أديس أبابا الرامية إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز التصنيع، وربط تجاري ونقدي أوسع مع الإمارات بوصفها من أكبر الشركاء التجاريين لها.
وفيما يتعلق باتفاقية تبادل العملات بين البنكين المركزيين في البلدين، اعتبر الشرقاوي أنها خطوة مهمة لتقليل الضغط على العملات الأجنبية، خصوصا في ظل التحديات التي تواجهها إثيوبيا في توفير النقد الأجنبي، وكلنا يتذكر تخلف إثيوبيا عن التزام دولي لها بأكثر من مليار دولار، مشيرا إلى وجود عدد من الاتفاقيات التي تعزز في تسهيل حركة التجارة وخفض تكاليف التحويلات، كما تعزز الثقة بين المؤسسات المالية في البلدين.
وأشار إلى أن التعاون في مجال أنظمة الدفع والتكنولوجيا المالية يعكس أهمية البنية التحتية الرقمية في دعم النمو الاقتصادي، موضحًا أن "التكامل المالي يساهم في استدامة أي شراكة اقتصادية حديثة وهو ما تدركه الإمارات عند القيام بمشروعات تنموية لها في إفريقيا".
كما شدد الباحث على أن اهتمام الإمارات بقطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية في إثيوبيا يتماشى مع توجهات التنمية طويلة الأجل في القارة الإفريقية ضمن رؤية 2036، لافتًا إلى أن الاستثمار في الطاقة الشمسية والنقل والخدمات اللوجستية لا يخدم الاقتصاد الإثيوبي فحسب، بل يعزز موقع الإمارات كشريك تنموي رئيسي في إفريقيا.
الحرص الإماراتي على تطوير العلاقات الاقتصادية مع إثيوبيا جاء انطلاقاً من الدور التنموي الذي تقوم به الدولة مع شركائها حول العالم، عبر المشاريع التي تستهدف تحفيز التنمية المستدامة، وتحقيق المصالح المشتركة.