ظهر مشروع تقنية حكم الفيديو المساعد "فار" للمرة الأولى في 2010، ودخلت حيز التجربة خلال عام 2016، قبل أن تظهر في مسابقة رسمية كُبرى لأول مرة مع حلول بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، وكان الهدف هو تطبيق العدالة التحكيمية بأقصى درجة ممكنة وتقليل الأخطاء.
العديد من اللحظات الفارقة في كرة القدم، شابتها أخطاء تحكيمية مؤثرة، ولكنها وصلت إلى ذروتها في حدود عامي 2009 و2010، حيت تأهلت فرنسا إلى المونديال على حساب إيرلندا بسبب لمسة يد لم يرها حكم المباراة، كما سدّد فرانك لامبارد كرة قوية لمصلحة منتخب إنجلترا، لتعبر خط مرمى ألمانيا في دور الـ16 من كأس العالم 2010 بجنوب إفريقيا، ولكن لم يلحظ الحكم ولا مساعده ذلك، ليُحرم الإنجليز من هدف صحيح أثار الكثير من اللغط.

ولكن لم يكن من المتوقع أنه بعد مرور 14 عامًا من تلك الواقعة، وفي ظل وجود تقنية تكنولوجية تُقلل من الأخطاء التحكيمية، سيكون الإنجليز الذي ذاقوا مرارة الأخطاء الفادحة، هم من سيطالبون بما يُسمونه "عودة اللعبة إلى متعتها".
إلغاء الـ"فار" في البريمرليغ
تقدّم نادي ولفرهامبتون واندررز، الأسبوع الماضي، بطلب إلى رابطة الدوري الإنجليزيّ الممتاز لإلغاء تقنية حكم الفيديو المساعد، حيث سيُعرض الأمر للتصويت في 6 يونيو المقبل، ومن أجل تمريره يجب موافقة 14 من أصل 20 ناديًا على ذلك الطلب.
على الأرجح، لن يحظى القرار بموافقة الأغلبية، وستبقى تقنية حكم الفيديو المساعد في الموسم المقبل، ولكنّ تلك الخطوة تمثل ناقوس خطر في ظل موسم شابه العديد من الأخطاء التحكيمية التي حدثت بشكل غير مُبرر في ظل وجود تقنية الـ"فار".

تواصل "المشهد" مع الحكم الدوليّ المصريّ السابق والخبير التحكيميّ جهاد جريشة، الذي قال: "تقنية الفار دُشّنت لتطبيق العدالة التحكيمية، ولكن سيظل الباب مفتوحًا للأخطاء في ظل وجود العنصر البشري".
وتابع: "تصبح فكرة الأخطاء غير مقبولة في ظل وجود تقنية الـ"فار"، وبالتالي يجب تدريب الأفراد بشكل أكبر للتقليل من الأخطاء المؤثرة".
وأضاف: "طلب إلغاء الـ"فار" قد يكون وسيلة للضغط لتحسين التقنية وسُبُل تطبيقها".
السويد تُعادي الـ"فار"
في 26 أبريل الماضي، أصبحت السويد أول دولة ترفض أنديتها تقنية الـ"فار" بشكل رسمي، حيث قال رئيس الاتحاد السويديّ لكرة القدم فريدريك رينفلت، إنّ تطبيق تقنية الـ"فار" ليس إلزاميًا وفقًا لقواعد الاتحاد الأوروبيّ لكرة القدم "يويفا"، مؤكدًا: "القرار متروك لنا".
جاء ذلك في ضوء سعي أندية الدوري السويديّ إلى عدم تطبيق التقنية في الموسم المقبل في ظل المعارضة الشديدة لها.
اختلفت صور الانتقاد، وتراوحت الشكاوى بين التحليل الموسع لحالات التسلل الصعبة والتأخير، الذي غالبًا ما يستمر لدقائق عدة.
في يوليو 2023، ذكرت رابطة دوري المحترفين السويديّ لكرة القدم، الذي يمثل الأندية في الدرجتين الأوليَين لكرة القدم السويدية، أنّ غالبية الأندية في البلاد "تعارض بشدة" إدخال نظام حكم الفيديو المساعد.
في ضوء ذلك، قال جريشة: "قد تصبح فكرة إلغاء التقنية توجهًا عامًا في أوروبا، ولكنّ عدم وجود هذه التقنيات تُعطي العذر للأخطاء التحكيمية".
ما الذي تفكر فيه المسابقات الأوروبية الكُبرى؟
توجد تقنية حكم الفيديو المساعد في مسابقات الدوري الأوروبية كافة، وفي مقدمتها إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا.
في فرنسا، لم يتطرق أحد لمناقشة تطبيق التقنية من عدمها، رغم وجود حالات الجدل التحكيمية، وتستمر النقاشات من أجل التطوير والتحسين.
أما في إسبانيا، يبدو الأمر كصراع بين القطبين الرئيسيّين ريال مدريد وبرشلونة، حيث يسعى الطرفان إعلاميًا لاكتساب أكبر استفادة ممكنة من خلف انتقاد التحكيم.
دائمًا ما اشتكى تشافي هيرنانديز، المدير الفنيّ لبرشلونة، من القرارات التي تُتخذ ضد فريقه، زاعمًا أنّ مقاطع الفيديو من قناة ريال مدريد التلفزيونية التي تضغط على الحكام قد "شابت" المنافسة، كما تحسر على عدم وجود تقنية خط المرمى بعد الكلاسيكو في أبريل الماضي.

وكثيرًا ما انتقد رئيس نادي ريال مدريد فلورنتينو بيريز علنًا مستوى تحكيم الدوري الإسباني، بينما ألمح ضمنًا إلى اعتقاده بأنّ القرارات كانت تُحتسب بشكل غير عادل ضد فريقه، بما في ذلك خلال مراجعة الفيديو المساعد.
في ديسمبر، اتفق كل من رابطة الدوري الإسبانيّ والاتحاد، على نشر المحادثات الصوتية بين حكم الفيديو المساعد "فار" والحكام على أرض الملعب.
لم تُسعد تلك الخطوة أيّ فريق، ولكنها قدّمت المزيد من "المحتوى" لتغذية النقاش في وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
وفقًا لشبكة "ذا أثليتك"، رغم هذا الجدل الكبير، من غير المتوقع أن تختفي تقنية الـ"فار" في إسبانيا في وقت قريب.
انعدام الشفافية
في إيطاليا، لم يتم تقديم اقتراح للتخلص من حكم الفيديو المساعد إلى رابطة الدوري الإيطاليّ الممتاز.
بدلًا من ذلك، ناقشت الأندية السماح للفرق بتحدي القرارات واحتمالية البثّ المباشر إلى غرفة حكَم الفيديو المساعد للاستماع إلى عملية صنع القرار كما يحدث.
وفي ألمانيا، لا تلقى تقنية الـ"فار" قبولًا كبيرًا بين الجماهير أو الإعلام.
في ديسمبر 2023، مجلة "11 فرويند" المحلية المتخصصة في كرة القدم قالت إنّ التجربة "نصف مكتملة"، وبحاجة إلى "إصلاح جوهري".
يُعتقد أنّ نظام حكم الفيديو المساعد لا يعمل بشكل جيد في المسابقات الألمانية، بل يصفه البعض بأنه أسوأ حالًا في إنجلترا.
الشكوى الرئيسية تتعلق بعدم الشفافية في إعلان القرارات في الملاعب، إلى جانب استهلاك وقت كبير لإعلان القرارات، وهو ما يفتح باب الانتقادات اللاذعة على الدوام.
يوضح جريشة لـ"المشهد": "إتاحة الفرصة للمديرين الفنّيين للاعتراض على القرارات بحدّ أقصى قرارين لكل فريق خلال المباراة، وفقًا لما هو مُقترح، قد يساهم في تقليل الأخطاء".
تحسينات مستمرة
في عهد رئيس الاتحاد الدوليّ السابق جوزيف بلاتر، كان التوجه العام في الـ"فيفا" هو معارضة إدخال التكنولوجيا في كرة القدم.
الوضع تغير في العهد الحالي تحت قيادة جياني إنفانتينو الذي بدا متحمّسًا منذ البداية لإدخال تقنية الـ"فار" في اللعبة.
في الوقت الحالي، يدرك مسؤولو الاتحاد الدوليّ الأخطاء التي تشوب التقنية، ولكن يبقى الرأي هو أنها "بحاجة إلى التحسين"، وليس إلى الإلغاء التام.
ولعل المسابقات العربية التي تطبّق تقنية الـ"فار" في السنوات الأخيرة، تُعاني المشاكل المطروحة نفسها عالميًا، والتي يدركها مسؤولو اللعبة جيدًا.
على هامش الجمعية العامة للـ"فيفا" في بانكوك، نوقشت تقنية الـ"فار" وإمكانية تطويرها، وطرح الفرنسيّ أرسين فينغر، رئيس قسم التطوير بالاتحاد، رؤية جديدة تتيح مساحة أكبر للإعادة باستخدام الفيديو، يمكن أن يعطي المزيد من المرونة في حال تطبيقه.
وبالفعل، يقوم الاتحاد الدوليّ بتجربة وسائل جديدة للتطبيق في بطولاته الرسمية، مثل استخدام حكم المباراة لميكروفون داخليّ بعد مراجعة تقنية حكم الفيديو المساعد، وذلك للإعلان عن قراره الرسميّ ومبرر هذا القرار بشكل علنيّ على مسمع الحاضرين في ملعب المباراة والمشاهدين عبر شاشة التلفزيون.
كما تمّت تجربة تقنية التسلل الإلكتروني، والتي أصبحت حاسمة بشكل كبير ومانعة لأيّ جدل في المسابقات التي طبّقتها.
يؤكد جريشة لـ"المشهد" أهمية وجود تقنية الـ"فار" في مشهد كرة القدم الحالي: "من المستحيل الاستغناء عن العنصر البشريّ بشكل كامل، ولكن في ظل ارتفاع وزيادة عدد المنافسات، وزيادة الأخطاء التحكيمية، فإنّ التكنولوجيا ضرورية لتطبيق العدالة التحكيمية بشكل أكبر".