كشف البرتغالي كريستيانو رونالدو عن الكثير خلال لقائه مع صديقه، الإعلامي البريطاني بيرس مورغان.
لم تكن المرة الأولى التي يجتمعان فيها، غير أنّ الحوار الأخير أعطى انطباعًا بأنه جاء من باب "تصفية الحسابات" والتمهيد لنهاية مسيرة نجم النصر السعودي في الملاعب.
"تصفية حسابات"، ليس بالضرورة مع شخص محدد أو جهة معينة، بل مع هواجس وتحدّيات عاشها وما زال يعيشها، وربما فُرض معظمها عليه فرضًا.
كان مباشرًا وواضحًا في تسمية الأمور بأسمائها، بعيدًا عن الدبلوماسية. كان يعي ما يقول، ويسرده كتلميذٍ حافظٍ لدروسه عن ظهر قلب.
كريستيانو رجلٌ له أفكاره وقناعاته، لكنّ جزءًا مما قاله في الحوار، كان غريبًا عنه وعن شخصيته، وتَمثّل في مقاربته مسألة التتويج بكأس العالم، إذ استعان بحجج واهية لا تشبه رونالدو وعقلية رونالدو الساعية دائمًا وأبدًا إلى الأفضل.
يخضع التتويج بالمونديال لاعتبارات عدة. جورج ويا مثلًا، يحمل الجنسية الليبيرية. فهل تجوز مطالبته بانتزاع كأس العالم بمفرده في ظل مجموعةٍ من زملاء بمستويات هزيلة؟ وهل يجوز اشتراط الوقوف على النقطة الأعلى من منصة التتويج العالمي، كي يستحق الأيرلندي الشمالي جورج بست صكّ الموهبة الفذّة مع منتخب لطالما عُرف بـ"المتواضع"؟
ثمة شريحة أخرى من النجوم عجزوا عن تحقيق اللقب رغم انتمائهم لمنتخبات كبيرة. حجة هؤلاء أضعف بالتأكيد، وأبرزهم الألماني كارل هاينتس رومينيغه، والفرنسي ميشال بلاتيني، والهولندي الراحل يوهان كرويف، والمجري فيرينك بوشكاش، والإيطاليان روبرتو باجيو وباولو مالديني، وغيرهم.
موهبة فريدة
تتويج ليونيل ميسي بالمونديال كان واجبًا عليه بالنظر إلى موهبته الفريدة وتألقه الأسطوري مع فريق برشلونة الإسباني، وضرورة تذويب المسافة التي تفصله عن مواطنه الراحل دييغو مارادونا في وجدان الشعب الأرجنتيني. نجح في مهمته في "قطر 2022" واعتلى المنزلة نفسها التي لطالما شغلها دييغو منفردًا.
جرت مقارنة "البرغوث" بمارادونا والبرازيلي الراحل بيليه حتى قبل تتويجه بكأس العالم. هؤلاء هم الأفضل تاريخيًا في أيّ استفتاء منطقي. جميعهم تلذذ باللقب العالمي، وإن كان بيليه الأكثر تتويجًا، بثلاثة ألقاب مونديالية.
هنا نسأل: هل كان يتوجب على هذا الثلاثي الفوز بكأس العالم كي يكون متقدمًا على الآخرين؟ بالتأكيد، لأنّ التتويج جعلهم أبطالًا قوميّين ورموزًا، بقدر مساهمة كلّ منهم في تحقيق الإنجاز. الحق يقال، كان ميسي ومارادونا وبيليه محظوظين بوجودهم في منتخبين من "أهل النخبة". فلو كان ميسي ليبيريًا، ومارادونا يابانيًا، وبيليه كنديًا، لما تمكن أيٌّ منهم من ملامسة الكأس الذهبية، وإن كان ثمة من يدّعي بأنّ "دييغو حقق بمفرده مونديال 1986". هذا كلام غير واقعي. نعم، مارادونا شكّل بحضوره القوة الضاربة في "ألبيسيليستي"، وكذلك ميسي. لولاهما، لما توّجت الأرجنتين، لكن لا يجدر إغفال مساهمة الزملاء. نذكر هنا على سبيل المثال تسجيل بيدرو باسكولي هدف الفوز الوحيد على الأوروغواي في دور الـ16 من مونديال 1986 في مباراة معقدة وعنيفة وخشنة، شهدت رفع البطاقة الصفراء في 7 مناسبات.
ولم ننسَ بأنّ الأرجنتين احتاجت لتحقيق الفوز، إلى ركلات الترجيح مرتين في مونديال 2022: ربع النهائي أمام هولندا، والنهائي أمام فرنسا.
أين كان ميسي في المناسبتين ليحسم الأمور ويقي بلاده دخول "ركلات" غير مأمونة الجانب؟ لا نغفل أيضًا الإنقاذ الأسطوري للحارس إيميليانو مارتينيز لتسديدة الفرنسي كولو مواني في اللحظات الأخيرة من المباراة النهائية.
حتى بيليه، ما كان ليحقق كل المجد لولا وجود ترسانة من النجوم في كل مرة عانق فيها كأس العالم، في 1958 و1962 و1970. كان مميزًا ومتفجرًا، لكنه، في الواقع، كان نجمًا كبيرًا بين كتيبة من النجوم.
تاريخ البرتغال
هل يُعتبرُ التتويج باللقب العالمي شرطًا لتأكيد ما يدّعيه رونالدو بأنه أفضل لاعب في التاريخ؟ للرد على هذا التساؤل، ينبغي الوقوف على تاريخ البرتغال، وما إذا كانت ليبيريا أو البرازيل. هي ليست هذه ولا تلك، وليس مطلوبًا منها أن تكون. لكنّ الواقع يشير بوضوح إلى أنها خَرّجت، عبر السنين، نجومًا بأعداد هائلة حتى لُقِّبت بـ"برازيل أوروبا"، وحظيت بمنتخبات عدة على جانب كبير من القوة لم يُكتب لها معانقة الألقاب إلا مع رونالدو ("يورو 2016" دوري الأمم الأوروبية 2019 و2025).
في اللقاء مع مورغان، قال "سي آر 7": "كم عدد كؤوس العالم التي فازت بها الأرجنتين قبل ميسي؟ توّجت مرتين قبل ميسي، أي أنها معتادة على الفوز (يقصد هنا أنّ ميسي لم يأتِ بجديد)"، وتابع: "في المقابل، سيكون تتويج البرتغال حدثًا صادمًا للعالم".
هنا، أخطأ رونالدو كثيرًا في حق نفسه. كان عليه أن يعي بأنّ من ينتمي، كميسي، إلى منتخب سبق له التتويج باللقب، إنما يجد نفسه دائمًا تحت ضغط أكبر من غيره لأنه مطالب بلقب آخر. الكل كان يعلم بالضغوط الملقاة على عاتق "ليو" في كل كأس عالم خاض غمارها، ربما باستثناء الأولى في 2006 عندما اضطلع بدور ثانوي.
وفي حال تطبيق "فكرة رونالدو" عن البرتغال على الجميع، لما حقق منتخبٌ، أيّ منتخب، اللقب العالمي الأول في تاريخه، بحجة أنه لم يسبق له التتويج.
إسبانيا عاشت سنوات طويلة في الظل. لم تكن تحظى باعتبار أحد. ماذا فعلت في 2010؟ توّجت بكأس العالم للمرة الأولى في تاريخها. صنعت الفارق أخيرًا من دون الاستناد إلى لقب عالمي سابق.
السؤال: لمَ لم تؤدِ البرتغال المهمة ذاتها وتعيش نشوة "المرة الأولى"؟ ألم تمتلك، يومًا وأيامًا، لاعبين تنازعت عليهم أفضل الأندية الأوروبية؟ ربما نسي رونالدو أو تناسى "منتخب 2004" المدجج بالنجوم، والذي بلغ معه نهائي الـ"يورو" على أرضه وخسر بهدف نادر لليوناني أنجيلوس خاريستياس.
لطالما امتلكت البرتغال تشكيلات ذهبية لعبت الأدوار الأولى في المسابقات الكبرى، لكنها افتقدت إلى من يقوم عنها بالخطوة الأخيرة المؤدية إلى منصة المجد. كان من المفترض أن يقوم رونالدو بالمهمة. تحقق المطلوب جزئيًا في "يورو 2016" الذي شهد تتويج كريستيانو باللقب القاري، لكنّ المطلوب كان أكثر بالنظر إلى شخصية رونالدو، إصراره وشخصيته، وفوق كل ذلك ادعائه بأنه الأفضل في التاريخ. لكن كيف يكون لاعبٌ ما الأفضل على الإطلاق ولا ينجح في مهمة التتويج باللقب الأهم؟
لقد أدان الـ"دون" نفسه بنفسه عندما رأى بأنه "سيكون تتويج البرتغال حدثًا صادمًا للعالم". أين دوره في جعل المستحيل ممكنًا وجعل التتويج البرتغالي أمرًا معتادًا إن كان يعتبر نفسه الأفضل؟
لقد توجّب أن يكون هناك ماريو كيمبس لمنح الأرجنتين لقبها العالمي الأول في 1978. كان لزامًا أن يوجد لاعب يحمل اسم زين الدين زيدان ليقود فرنسا إلى كأس عالم أولى في 1998. الأمر نفسه ينطبق على أندريس إنييستا أو تشافي هرنانديز في مونديال 2010.
هناك دائمًا "مرة أولى"، وما كلام رونالدو إلا انتقاصًا من البرتغال أولًا، ومن قدرته الشخصية على نقل بلاده إلى مصاف الدول الكبرى الفائزة باللقب العالمي، ثانيًا.
نهائي دراماتيكي
ورأى رونالدو بأنّ تتويج الأرجنتين في 2022 لم يكن بفضل ميسي وحده.
هنا أيضًا لم يأتِ رونالدو بجديد. ونسأل: هل حقق بمفرده كأس أوروبا 2016 بعدما خرج من النهائي الدراماتيكي منذ الدقائق الأولى نتيجة تعرضه للإصابة؟
بعد الإقصاء من مونديال قطر، بكى كريستيانو ووصف الفوز بكأس العالم بأنه حلمه الأكبر، لكنّ تعليقاته في الحوار الأخير تشير إلى أنه تراجع عن ذلك. ربما أراد "تهدئة" التوقعات ورفع الضغوط عن كاهله على أعتاب آخر كأس عالم يخوضها في 2026 قبل الاعتزال.
في المقابلة مع مورغان، أكد بأنّ "الفوز بكأس العالم ليس حلمًا بالنسبة لي".
سقطة أخرى للاعب لطالما بثّ شعورًا بأنّ طموحاته تلامس السماء.
تساءل الفائز بـ"الكرة الذهبية" 5 مرات عن فكرة أنّ بطولة واحدة يمكن أن تحدد إرث اللاعب، رافضًا فكرة أنّ الفوز بكأس العالم وحده يحدد العظمة، وتابع: "لتعريف ماذا؟ لتعريف ما إذا كنتُ من أفضل اللاعبين في التاريخ؟ الفوز ببطولة واحدة، 6 مباريات، 7 مباريات، هل تعتقد أنّ هذا عادل؟".
في المقابل، قال ميسي خلال مشاركته في ندوة بمنتدى الأعمال الأميركي، في ما اعتُبر ردًا على رونالدو: "الفوز بكأس العالم هو الإنجاز الأكبر بالنسبة لأيّ لاعب. هو مثل الموظف عندما يبلغ القمة في مهنته. لا يوجد شيء أعلى من ذلك"، وأضاف: "بعد كأس العالم، لا يمكنك أن تطلب أكثر من ذلك. كنت محظوظًا لأنني حققت كل شيء قبل ذلك على مستوى الأندية، وأيضًا على المستوى الفردي. توّجت كذلك بكوبا أميركا مع المنتخب، البطولة التي كانت تنقصنا".
لطالما كان ميسي أكثر هدوءًا من رونالدو في ما يقول ويعبّر عنه، لكنه، هو الآخر، نسي بأنه ينتمي إلى منتخب كبير، وهو عامل مساعد في تحقيق كأس العالم.
وأغفل "ليو" أيضًا بأنّ المرء قد يكون موظفًا مثاليًا في شركة عادية لا تقدّر قيمته، أو في شركة كبيرة لا تمنحه الفرصة كي يشعّ.