كشفت التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم والمقررة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا معاً، بأن تفاصيل صغيرة فصلت بين المتأهل ومن عجز عن بلوغ "العرس العالمي".
الفرصة كانت سانحة أمام كثيرين من "عرب آسيا" للحلم بولوج المونديال بعدما رفع الاتحاد الدولي للعبة (فيفا) عدد المشاركين في الحدث من 32 إلى 48 منتخباً.
واقعٌ استفاد منه بشكل مطلق "عرب إفريقيا" بدليل تأهل "الكبار"، مصر، تونس، الجزائر والمغرب.
في آسيا، الوضع مغاير. فقط الأردن، كمنتخب عربي، نجح في خطف بطاقة مباشرة من الدور الثالث الحاسم، فيما توجه "الآخرون" إلى الملحق حيث حسم المنتخبان السعودي والقطري أمرهما، لحقا بـ "النشامى"، وعزّزا الحضور العربي بـ7 فرق في المونديال، وهو رقم قياسي.
في البداية، يجب الإقرار بأن هذا العدد المشجع لا يعكس تطوراً في المستوى، ولا يرفع أملاً بإمكان نسخ الإنجاز المغربي في مونديال 2022 والذي تمثل في بلوغ "أسود الأطلس" الدور نصف النهائي، ولا يعطي مؤشراً على قدرة في مقارعة منتخبات أوروبا أو أميركا الجنوبية، إلا من هامش ضيق لا يخرج عن إطار المفاجأة.
وبالعودة إلى الدور الثالث من التصفيات الآسيوية، تأهل الأردن بفارق أفضلية ضئيل عن العراق في المجموعة الثانية (نقطة واحدة). وفي الملحق، فشل منتخب الإمارات في تكرار إنجاز التأهل الذي سطره عدنان الطلياني وزملاؤه في 1990، بفارق ضئيل أيضاً عن قطر. الأمر نفسه ينطبق على العراق الذي أنهى الملحق بالرصيد نفسه من النقاط مع السعودية (4 لكل منهما)، ولم يحرمه التأهل المباشر، عوضاً عن "الأخضر"، سوى فارق الأهداف المسجلة.
استنتاج مهم: الملحق كشف بأن الفوارق الفنية بين المنتخبات تكاد أن تكون معدومة.
سطوة "الرباعي"
أثبتت التصفيات بأن آسيا ما زالت خاضعة لسطوة "الرباعي"، اليابان، كوريا الجنوبية، إيران، وربما أستراليا. ثم تأتي السعودية وقطر، وبعدهما الإمارات التي تحسنت بشكل كبير في الآونة الأخيرة، والعراق.
وبالنسبة إلى الأردن الذي شكّل مفاجأة التصفيات، فقد استكمل التقدم المطّرد بعد حلوله وصيفاً في كأس آسيا 2024، قبل حجز البطاقة المباشرة إلى المونديال.
ما زال يُنظر إلى مسيرة "النشامى" على أنها بداية تحتاج إلى ترسيخ الحضور على مدى السنوات المقبلة.
منافسات الملحق الأخير لم ترُقْ لكثيرين خصوصاً أنها، وفقاً لهؤلاء، افتقدت إلى العدالة. فقد أقيمت مباريات المجموعة الأولى في قطر، والثانية في السعودية، الأمر الذي منح أفضلية الأرض والجمهور لـ"العنابي" و"الأخضر" على التوالي، فاستفادا وخطفا بطاقتي العبور.
من جهة أخرى، ضمت كلُّ مجموعة من مجموعتَي الملحق 3 منتخبات، ما حتّم أن تجمع المباراة الأخيرة فريقين يعلمان تمام العلم المهمة الملقاة على عاتقهما لحسم التأهل، فيما بقي الفريق الثالث متفرجاً على واقع لا حول له فيه ولا قوة.
تعادُل عمان في مباراته الأولى وخسارته الثانية، وهزيمة أندونيسيا في لقاءيها. نتائج أنقذت "فيفا" من الإحراج في الجولة الثالثة. لذا، كان يجدر إيجاد آلية أخرى لخارطة طريق التأهل، وإن طالت، طالما أن الوقت ما زال متاحاً قبل أشهر على انطلاق كأس العالم.
الهدف الدّفين
رفْعُ عدد المنتخبات إلى 48 ابتداءً من مونديال 2026 لا يعني بأن من تأهل هو بين الأفضل في العالم. ففي كل مرة كانت ترتفع فيها نسبة الحضور منذ انطلاق "العرس العالمي" في 1930، كان ذلك يؤثّر بالسلب على المستوى الفني العام للحدث، وهو المتوقع في النسخة المقبلة التي يرى كثيرون بأن "فيفا" أراد توسيع رقعة المشاركة فيها بهدف زيادة عدد المباريات وبالتالي تحقيق أرباح إضافية، وبأنه جرى تغليف هذا الهدف الدفين بإعلانٍ "غير بريء" عن رغبة بفتح المجال أمام أكبر عدد ممكن من المنتخبات للظهور في البطولة الأهم.
الأسوأ أنه يجري الحديث راهناً عن إمكان إيصال العدد إلى 64 منتخباً في المستقبل.
بهذه السياسة، ستفقد البطولة بريقها ولن تستمر كـ "بطولة نخبة".
لا يجب أن يتمثل الهدف في منح "فرصة" للجميع لخوض غمار كأس العالم، بل يجدر التأكيد على أن دور "فيفا" يتمحور حول تحسين مستوى المنتخبات من خلال دعمها ومتابعتها، وليس وضعها في مكانة هي بعيدة كل البعد عنها.
شهد مونديال قطر إقامة 64 مباراة، سترتفع إلى 104 في 2026، أي 40 مباراة إضافية مع كل ما تفرزه من مكاسب مالية متأتية من الرعاية والإعلانات ومردود البث التلفزيوني وغيره.
يضم "فيفا" 211 اتحاداً وطنياً عضواً، من آسيا، إفريقيا، أوروبا، أميركا الجنوبية، أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي، وأوقيانيا، علماً بأنه انحصر بـ 41 فقط عندما أقيم المونديال الأول في 1930.
ارتفاع عدد الأعضاء لا يبرر رفع عدد المشاركين في كأس العالم، بل يحتم ضرورة استيعاب الجميع والدفع باتجاه الحث على ممارسة اللعبة في تلك الدول ومساعدتها على التطور تمهيداً لمحاولة ولوج المونديال بعد سنوات.
بمعنى آخر، يجب على المنتخب الذي يبلغ كأس العالم أن يستحق ذلك، وأن يأتي التأهل انعكاساً لعمل الاتحاد المحلي.
تعتبر إيطاليا إحدى القوى الكبرى وصاحبة أربع كؤوس عالم (1934 و1938 و1982 و2006). إيطاليا فشلت في التصفيات الأوروبية لتغيب عن نسختَي 2018 و2022، الأمر الذي عكس معاناتها وواقعها لكنه دفعها إلى البحث عن حلول، لم تجدها حتى الساعة، بيد أنها، على الأقل، أدركت موقعها وأيقنت بأنَّ أمامها عملاً كبيراً.
الحضور الموسّع
فرصة كبيرة حظيت بها منتخبات عربية لدخول المونديال، ولا شك في أنها استفادت من توسيع رقعة المشاركة التي قد ترفع عدد العرب إلى 8 في حال نجاح الإمارات أو العراق في الملحق العالمي. هذه الفرصة من شأنها أن تفرض على من تأهل تحقيق الأفضل في النهائيات، وليس الاكتفاء بالمشاركة.
حظيت القارات كافة بمقاعد مؤهلة إضافية. لا خلاف على أن أوروبا تبقى الأقوى بمنتخباتها، إلى جانب أميركا الجنوبية، لكن من واجب "عرب آسيا"، وكذلك "عرب إفريقيا"، إثبات الأحقية في حضورها "الموسّع" في المونديال من خلال تحقيق نتائج مشجعة، أقلّه أمام من حظي مثلها بترف التأهل اليسير. عندها فقط تدخل المشاركة العربية في كأس العالم من باب الاستحقاق... وليس من باب استكمال العدد كما درجت العادة، مع استثناء المغرب خصوصاً في مونديال 2022، ومن ثم السعودية في 1994 والجزائر في 2014 عندما تجاوزتا دور المجموعات بنجاح.