عندما سئل المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، خلال أحد اللقاءات، عن أفضل إنجاز في مسيرته المهنية مع كرة القدم، لم يتردد في اختيار "وصافة الدوري الإنكليزي مع مانشستر يونايتد" موسم 2016-2015.
بدت بمثابة "الإجابة - الفخ" من مدرب حقق ألقاباً بالجملة، أهمها دوري أبطال أوروبا في مناسبتين.
لم يفهم أحد، في تلك اللحظة، ما كان يقصده "مو" بالتحديد، علماً بأنه اعتاد التشديد مراراً وتكراراً على أن "الناس لا تعلم ماذا يحصل خلف الكواليس في النادي".
هي تلميحات مباشرة على مشاكل عانى منها مع الإدارة أو اللاعبين، ربما.
مسيّرو النادي، في تلك الحقبة، لم يتحركوا في سوق الانتقالات كما وعدوا. نشأت مشاكل. أقيل "ذا سبيشال ون"، في مطلع الموسم التالي لذاك الذي حل فيه وصيفاً لمانشستر سيتي في الـ"بريمير ليغ".
قبل أيام، انضم البرتغالي الآخر، روبين أموريم، إلى لائحة المدربين المُقالين في "أولد ترافورد" في ضوء نتائج لم تعكس ما كانت الإدارة تصبو إليه عندما رمت بشباكها للإيقاع به إثر تألقه مع سبورتينغ لشبونة.
عشرة مدربين
بات الخطأ قاعدةً في "مان يو" خلال عملية البحث عمّن يخلف "صورة ومضمون" المدرب الأسطوري، "السير" الإسكتلندي أليكس فيرغوسون، الذي تحول إلى "عقدة" منذ تقاعده في 2013.
خير دليل أن النادي الشمالي ارتبط، منذ ذلك الحين، بعشرة مدربين، وكانت النتيجة واحدة: الفشل، مع استثناء نسبي للموسم الأول لمورينيو حين حقق الفريق ألقاب "الدرع الخيرية"، كأس رابطة الأندية المحترفة و"يوروبا ليغ".
أسباب مختلفة تُرمى هنا وهناك مع رحيل أي مدرب. هذه المرة، جرى تداول أخبار تفيد بأن أموريم الذي يعتبر أول رجل في تاريخ مانشستر يونايتد يُعيّن كـ"مدرب رئيسي" بدلاً من "مدير فني"، طالب الإدارة بالمنصب الأخير، لكن دون جدوى. كان يرغب بالسيطرة واختيار صفقات اللاعبين، إلى جانب رفضه القاطع لأي تدخل في شؤونه، الفنية منها تحديداً.
من المدربين العشرة، 7 تولوا المهمة كأصيلين وثلاثة لفترات مؤقتة، لكن المشتَرَك بينهم يتمثل في أنّ أحداً لم يستمر لأكثر من ثلاث سنوات، ما دفع النادي إلى سداد أكثر من 100 مليون يورو كتعويضات إقالة فقط.
حقبة فاشلة
الحقبة التي تلت "عهد السير" تعتبر فاشلة بالمقاييس كافة، مع العلم أن النادي صرف، منذ موسم 2014-2013، حوالي 2.31 مليار يورو على الانتقالات.
صحيح أن الإنفاق بات شرطاً لتحقيق النجاح، غير أن مانشستر يونايتد، الأكثر تتويجاً باللقب المحلي إلى جانب ليفربول (20 لكل منهما) والنادي الإنكليزي الوحيد الفائز بـ"الثلاثية التاريخية" (الدوري والكأس ودوري الأبطال) عام 1999، أهدر الملايين دون طائل.
عندما جرت الاستعانة بأموريم، كان الأخير بمثابة "مجهول آخر" ينضم إلى "لائحة التجارب". جاء من بيئة مختلفة تماماً. قاد سبورتينغ لشبونة إلى العودة للتتويج باللقب المحلي في 2021 بعد 18 سنة من الانتظار قبل أن يعيد الكرّة في 2024.
لا يملك تاريخاً على المستوى التدريبي ولا حتى كلاعب. ارتبط بالنادي الإنكليزي بموجب عقد يستمر حتى 2027 مع إمكانية التمديد سنة إضافية.
كانت محاولة لبث نفحة شبابية في "يونايتد" وفرض استقرار موعود في ظل إدارة جديدة، بتوجيهات من "السير" جيم راتكليف الذي استحوذ على 27.7% من أسهم النادي بالإضافة إلى السيطرة على تعاملات كرة القدم فيه ابتداءً من فبراير 2024.
طالب أموريم (41 عاماً) بثلاثة أضعاف راتبه للمجيء إلى إنكلترا. كان له ما أراد. أعطى مؤشراً على أنه قادم بقوة وفي جعبته "مشروع"، لكن النتيجة كانت نفسها مع تلك التي تحققت على أيدي من سبقه.
رحلة عذاب
أبصر مانشستر يونايتد النور في 1878 تحت مسمى "نيوتن هيث" قبل أن يتحوّل في 1920 إلى مسمّاه الحالي. حقق نجاحاتٍ جعلته حاضراً باستمرار، محلياً وقارياً. ترافق ذلك مع استغلالٍ لقوة العلاقات التجارية وتسويقٍ مثاليّ لعلامة جعلت منه الأغلى عالمياً لفترات طويلة.
عرف حقبتين ذهبيتين صنعتا تاريخه، أولهما بقيادة المدرب مات باسبي بين 1945 و1969 حين حصد ألقاباً بالجملة أبرزها 5 في الدوري المحلي، اثنان في كأس الاتحاد، ولقب أول في دوري أبطال أوروبا عام 1968 والذي دُمِغ بالدم. قبلها بعشر سنوات، عاش "يونايتد" كارثة تحطم طائرة تقلّ لاعبيه في ميونيخ أسفرت عن وفاة 8 عناصر. عاد باسبي بقوة وأسس فريقاً لامعاً ضم الأيرلندي الشمالي جورج بست، الإسكتلندي دينيس لو، وبوبي تشارلتون، وقاده إلى منصة التتويج القاري.
بعد "حقبة باسبي"، ترنّح النادي بحثاً عن سبيل للعودة التي كان ربّانها فيرغوسون. وصل في 1986 واستمر حتى 2013. بين التاريخين، تاريخ شهد التتويج بـ 38 لقباً، بينها 13 دورياً، 5 كؤوس محلية، ولقبان في دوري الأبطال.
رحل "السير أليكس" لتبدأ رحلة عذاب. رحلة بحث عن "باسبي آخر" أو "فيرغوسون جديد".
مشاكل بالجملة
قبل أيام، وفي أعقاب تعادل مخيّب مع ليدز يونايتد في الدوري، خرج أموريم عن طوره، قائلاً: "جئت لأكون مدير الفريق، لا مجرّد مدرب"، ملمحاً إلى شعوره بأن سلطته محدودة، وأن دوره محصور بتدريب اللاعبين، بعيداً عن سياسة الانتقالات أو التخطيط الإستراتيجي للنادي.
المشكلة ليست هنا. المشكلة في أن فيرغوسون رفع السقف عالياً، ما فرض ضغوطات كبيرة على كل من جاء بعده. لم يوجد مدير فني قوي بأتمّ ما للكلمة من معنى. مورينيو كان صدامياً أكثر من كونه قويًا.
فوق كل ذلك، افتقد الفريق هوية لعب ثابتة بعد "فيرغي".
"سوق الانتقالات" منذ 2013 لم يكن ذكياً. تعاقدات كثيرة بدافع تجاري أو إعلامي، ومبالغة في الأسعار والأجور. والنتيجة: لاعبون لا يتناسبون وأسلوب المدرب.
من الأسباب الأخرى لمعضلات "يونايتد"، ذاك التضخم في غرفة تبديل الملابس، الرواتب الضخمة التي بقيت بلا مردود ثابت، وربما نجوم أكبر من المشروع أحياناً، ناهيك عن صعوبات في فرض الانضباط.
لا ننسى ضغط التوقعات والإعلام، خصوصاً أن اسم النادي يفرض الفوز الفوري. لا صبراً على مشاريع متوسطة أو طويلة الأمد.
الإدارة العليا للنادي تفتقد إلى الخبرة الكروية. الأولوية دائماً للإيرادات التجارية. القرارات المرتبطة بالفريق كانت بطيئة أو متناقضة. اتُّخذت القرارات أحياناً كرد فعل أكثر منه وفق تخطيط.
فنياً، عانى الفريق من غياب الاستقرار. يصل مدرب جديد فيطلب لاعبين مختلفين. يترك إرثاً غير متناسق للمدرب الذي يأتي بعده.
مانشستر يونايتد لا يفشل بسبب المدربين فقط، بل لأن المدرب يتغير دائماً واللاعبون يتغيرون دائماً، والنظام الخاطئ مستمر.
النجاح لن يعود إلا مع هيكل رياضي واضح، هوية لعب ثابتة، وصبر حقيقي على مشروع طويل الأمد.