hamburger
userProfile
scrollTop

"ثورة" بودو/غلينت.. بقيادة طيّار سابق في سلاح الجو!

بودو/غلينت من فريق يتأرجح بين الدرجتين الأولى والثانية إلى "مفاجأة سارة" في أوروبا (رويترز)
بودو/غلينت من فريق يتأرجح بين الدرجتين الأولى والثانية إلى "مفاجأة سارة" في أوروبا (رويترز)
verticalLine
fontSize

لم يكن أرسنال الإنجليزي وبايرن ميونخ الألماني نجمَي دور المجموعة الموحدة في دوري أبطال أوروبا لكرة القدم، خلال الموسم الراهن.

انتزعا مركزَي الصدارة على التوالي، الأول بالعلامة الكاملة (8 انتصارات في 8 مباريات)، والثاني بسبعة انتصارات مقابل خسارة واحدة أمام أرسنال نفسه.

كل ذلك لم يكفِهما لحجب الألق عن بودو/غلينت النرويجي، القادم من المجهول.

ليس إنجازاً أن تنهي مرحلة الدوري في "تشامبيونز ليغ" محتلاً المركز 23 برصيد 9 نقاط فقط وتضمن خوض الملحق الفاصل المؤهل إلى دور الـ16. الأهم أن تقف عند الكيفية: فوزان على مانشستر سيتي الإنجليزي 3-1 في النرويج وأتلتيكو مدريد الإسباني 2-1 خارج الديار، فضلاً عن تعادلين عزيزين مع بوروسيا دورتموند الألماني 2-2 في ملعب "سيغنال إيدونا بارك" وتوتنهام هوتسبير الإنجليزي بالنتيجة ذاتها (2-2)، قبل أن يأتي الأبرز: انتصار مدوٍَ على إنتر ميلان، متصدر الدوري الإيطالي، 3-1 في النرويج في جولة الذهاب من الملحق وضعه على أعتاب إنجاز تاريخي.

الخلاصة أن بودو/غلينت بات الفريق الوحيد في نسخة العام الجاري من دوري الأبطال ينجح في إلحاق الهزيمة و/أو يتعادل مع 5 من كبار "القارة العجوز" في موسم واحد، رغم تشكيلة بقيمة سوقية خجولة (57.13 مليون يورو) تضم 9 لاعبين أساسيين نروجيين، اثنان منهم فقط يمثلان المنتخب.

مفاجأة سارّة

تحوّل بودو/غلينت من فريق يتأرجح بين الدرجتين الأولى والثانية ضمن الدوري النرويجي إلى "مفاجأة سارة" في أوروبا، بفضل "وصفة فريدة" تجمع بين العلم، العقلية، والتخطيط طويل الأمد، رغم أن تشكيل هذه التوليفة لم يكلف النادي أكثر من 13 مليون يورو.

ثمة ركائز أساسية استند النادي إليها لتحقيق إنجازاته، أبرزها أن "العملية تأتي قبل النتيجة"، بمعنى أن المبدأ الأساسي لا يرتكز على الحديث عن الفوز أو النظر إلى الترتيب، بل يقوم على "التطوير اليومي" لكل لاعب. نهج يقلل الضغط النفسي ويجعل الأداء ثابتاً حتى في أحلك الظروف.

أما السلاح السري فيتمثل في طيّار مقاتل سابق من سلاح الجو النرويجي. استعان به النادي كمدرب ذهني، فقام بيورن مانسفيرك بتطبيق تقنيات عسكرية للتركيز تحت الضغط الشديد، ما ساعد اللاعبين على الحفاظ على هدوئهم أمام الفرق الكبرى.

لم يكتفِ النادي بذلك بل اعتمد "التعاقدات الذكية" القائمة على منصة توظيف مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات واكتشاف "الجواهر المخفية" التي تتناسب مع أسلوب لعب الفريق القائم على توزيعة 4-3-3 المرنة والمعتمدة على التمريرات السريعة والمجازفة، فاكتسب الفريق هوية فنية هجومية ثابتة تتمثل في التقدم الجريء تحت قيادة المدرب كيتيل كنوتسن.

وبات بودو/غلينت ذا كفاءة مالية، فقد ارتفعت إيراداته من 5 ملايين يورو إلى حوالي 60 مليوناً بفضل نجاحه الأوروبي وذكائه في سوق الانتقالات.

عامل الأرض

يستفيد الفريق من عامل الأرض، وتحديداً استاد "أسبيرا" الذي يتميز بحقائق عدة أبرزها الأرضية التي تعتمد العشب الصناعي المتطور لمقاومة الظروف المناخية القاسية والجليد، السعة إذ يُعتبر ملعباً صغيراً نسبياً وهو يتسع لحوالي 8270 متفرجاً فقط، الأجواء حيث يُعرف بصعوبة اللعب فيه بالنسبة للأندية الكبرى بسبب الرياح القطبية القوية وقرب المدرجات من أرضية الملعب.

يعمل القيّمون على النادي على ترسيخ ثقافة "العائلة" وروحية الفريق من خلال اعتماد "القيادة الجماعية" إذ يحدد اللاعبون، في ما بينهم، هوية القائد لكل مباراة، الأمر الذي يعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة، فضلاً عن التركيز على دمج مواهب من شمال البلاد، ما يخلق رابطاً قوياً مع المجتمع المحلي.

معلوم أن النادي عانى لسنوات من "التهميش"، بعد التأسيس. إذ حتى العام 1971، كان الاتحاد النرويجي يمنع أندية الشمال من المشاركة في الدوري، بحجة أن "المستوى الفني ضعيف" وأن "السفر إلى هناك صعب ومكلف". منعٌ ولَّد لدى النادي وجماهيره "عقلية الضحية" التي تحولت لاحقاً إلى "وقود للتحدي" لإثبات أن الشمال هو الأقوى.

قصة خيالية

انتزع بودو/غلينت لقب بطل الدوري النرويجي 4 مرات في آخر 5 سنوات (2020، 2021، 2023، 2024)، وبلغ نصف نهائي "يوروبا ليغ" 2025، وها هو يُواصل كتابة "قصة خيالية" في دوري الأبطال 2025-2026، حيث تحول من فريق مغمور إلى "قاهر للعمالقة" بعد سلسلة النتائج الصاعقة.

اسم النادي يتكوّن من شقّين يعكسان جغرافياً واقعه وطموحه: بودو هو اسم المدينة الصغيرة التي ينتمي إليها وتقع خلف الدائرة القطبية الشمالية ويقطنها 42831 نسمة فقط. أما غلينت فتعني باللغة النرويجية "الوميض" أو "البريق".

في بداياته عام 1916، تأسس باسم "غلينت". لكن نظراً لوجود أندية أخرى تحمل الاسم نفسه، أضيفت كلمة "بودو" لتمييزه مكانياً، فصار "بودو/غلينت".

أما الجماهير فاعتادت التلويح بفراشي أسنان صفراء ضخمة خلال المباريات. القصة تعود إلى السبعينيات عندما توجه مشجع للنادي إلى مدينة بعيدة لمتابعة مباراة للفريق بيد أنه نسي فرشاة أسنانه. شترى واحدة صفراء (لون النادي) وبدأ يلوح بها لتمويه الحكم وتشتيت لاعبي الخصم. أصبحت منذ ذلك الحين التميمة الرسمية للنادي.

عناوين بارزة فرضت نفسها في الأعوام الأخيرة يتمثل أبرزها في تتويج ليستر سيتي بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز 2016 في ما اعتبر أكبر مفاجأة في تاريخ كرة القدم الحديث.

كايزرسلاوترن انتزع لقب الدوري الألماني 1998. كانت أشبه بمعجزة فريدة من نوعها. فقد حقق الفريق الإنجاز في أول موسم له بعد الصعود من الدرجة الثانية مباشرة في حدث لم يتكرر في الدوريات الكبرى.

من جانبه، صعد نوتنغهام فورست إلى دوري الأضواء لينتزع مباشرةً اللقب في موسمه الأول، قبل التتويج على جبهة دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين. معلوم أن نوتنغهام هو النادي الوحيد في "القارة العجوز" الذي يمتلك ألقاباً أوروبية أكثر من ألقاب الدوري المحلي.

بودو/غلينت قصة نجاح "المهمشين" الذين استغلوا العلم والعقلية ليتحولوا من نادٍ خلف الدائرة القطبية إلى واحد من أمتع فرق العالم تكتيكياً. صعد من الدرجة الثانية في 2017 قبل أن يحقق لقب الدوري في 2020 رافعاً من شأن "شمال النرويج" وقصته المليئة بالتحدي والتميز.