في موسم استثنائي، يكتب سعود عبد الحميد فصلا جديدا في مسيرته الاحترافية، بعدما انتقل من أجواء الرياض إلى صدارة الدوري الفرنسي، ليقود لانس إلى قمة "ليغ 1" على حساب باريس سان جيرمان بطل أوروبا، في واحدة من أبرز محطات تألق اللاعب السعودي في الملاعب الأوروبية.
الظهير البالغ 26 عاما، والمعار من روما الإيطالي، استغل فرصة مشاركته أساسيا بأفضل صورة ممكنة، حين عوض غياب المخضرم روبن أغيلار بسبب الإيقاف، ليقدم أداء متكاملا في الفوز العريض بنتيجة 5-0 على باريس أف سي، وهي النتيجة التي وضعت لانس في الصدارة بفارق نقطة عن سان جرمان قبل 12 جولة من ختام الموسم.
بصمة مباشرة في ليلة الصدارة
لم يكن حضور عبد الحميد شكليا، بل كان حاسما في تفاصيل المباراة.
انطلق على الرواق الأيمن بمجهود فردي مميز، قبل أن يصنع الهدف الثاني لزميله ويسلي سعيد، مؤكدا قدرته على صناعة الفارق هجوميا.
ولم يتوقف تأثيره عند ذلك، إذ تسبب في ركلة جزاء خلال الشوط الثاني، ترجمها فلوريان توفان إلى هدف ثالث عزز تقدم فريقه.
الأرقام عكست حجم تأثيره، بعدما نال ثالث أعلى تقييم بين لاعبي لانس خلف الحارس روبن ريسيه وويسلي سعيد.

وصلت دقة تمريراته إلى 90%، مع 4 مساهمات دفاعية و3 تشتيتات، إلى جانب فوزه بـ4 مبارزات مباشرة، في أداء جمع بين الانضباط الدفاعي والحيوية الهجومية.
بهذا الظهور، رفع رصيده إلى 5 مساهمات تهديفية هذا الموسم، بعدما سجل هدفا وصنع 4 في 18 مباراة بمختلف المسابقات، ليؤكد أنه بات عنصرا فاعلا في منظومة الفريق الفرنسي.
خير سفير للسعودية في أوروبا
تفاعل عبد الحميد مع لحظة الصدارة برسالة إلى الجماهير السعودية، أكد فيها أن كلماتهم تمثل أكبر حافز له لتقديم الأفضل، معربا عن أمله في أن يكون خير سفير للمملكة في الملاعب الأوروبية، ومشددا على أن القادم أجمل.
منذ انتقاله إلى أوروبا صيف 2024، تغيرت ملامح مسيرته بشكل جذري.
بعد فترة محدودة مع روما لم تتجاوز 380 دقيقة في ثماني مباريات، وجد في لانس مساحة أوسع لإثبات نفسه، حيث خاض 717 دقيقة حتى الآن، وشارك أساسيا في 5 مباريات بالدوري، 4 منها في آخر 6 جولات، في مؤشر واضح على تصاعد ثقة الجهاز الفني به.

إشادة فنية وتطور ملحوظ
مدرب لانس بيار ساج أشاد بتطور اللاعب، مؤكدا أنه نجح في التأقلم مع متطلبات كرة القدم الأوروبية سواء على مستوى الاحترافية أو إدارة المباريات أسبوعا بعد آخر.
وأوضح أن المنافسة في مركز الظهير كانت قوية، مع أفضلية أولية لروبن أغيلار، لكن عبد الحميد لم يستسلم وواصل العمل، وعندما سنحت له الفرصة أثبت جاهزيته.
وأشار المدرب إلى أن الفريق يملك لاعبا فعالا منذ بداية الموسم، وأن تعدد الخيارات في هذا المركز بات أكثر وضوحا بفضل التطور الذي أظهره اللاعب السعودي.
قرار شجاع
قرار مغادرة الرياض لم يكن سهلا. فقد كان عبد الحميد لاعبا أساسيا مع الاتحاد ثم مع الهلال الذي توج معه بلقب الدوري مرتين، قبل أن يختار خوض التحدي الأوروبي رغم العروض المغرية محليا.
لوران بونادي، المساعد السابق للمدرب هيرفي رينارد، يعتبر أن عبد الحميد تحلى بالشجاعة حين غادر بلاده، مؤكدا أن بعض اللاعبين قد يشعرون براحة زائدة في الدوريات المحلية، لكن اللاعب السعودي اختار اختبار نفسه في بيئة تنافسية أعلى.
وتحدث فرانسوا رودريغيز، المساعد الحالي في الجهاز الفني للمنتخب السعودي، عن التطور التدريجي للاعب، مشيرا إلى أنه لعب في بداياته كلاعب وسط دفاعي قبل أن ينتقل إلى الجناح ثم إلى مركز الظهير، مستفيدا من سرعته وقوته البدنية وقدرته على القفز والالتحامات.

هدف تاريخي بألوان سعودية
في ديسمبر 2024، أصبح عبد الحميد أول لاعب سعودي يسجل هدفا في مسابقة أوروبية عندما هز الشباك بقميص روما في الدوري الأوروبي، وهي لحظة أكدت قدرته على ترك بصمة خارج حدود الدوري المحلي.
اليوم، يواصل كتابة قصته بقميص لانس، بعدما أسهم في اعتلاء الفريق صدارة الدوري الفرنسي، في رحلة تعكس مزيجا من الجرأة والطموح والعمل المتواصل.
من الرياض إلى قمة "ليغ 1"، لم يكن الطريق سهلا، لكن سعود عبد الحميد يثبت يوما بعد آخر أن الرهان على الاحتراف الخارجي لم يكن مغامرة، بل خطوة محسوبة نحو مستوى أعلى من التألق قبل أشهر قليلة من انطلاق كأس العالم 2026 في أميركا الشمالية.