قبل 3 سنوات، مرّ "الراقي" بفترة مأساوية شهدت حدثًا غير مسبوق بهبوطه إلى الدرجة الأدنى في السعودية، واليوم، حظي الأهلي بلقب السوبر السعودي بعد أشهر قليلة من تتويجه القاري الأول على مدار تاريخه، والعامل المشترك بين اللقبين هو ألماني شغوف، يُدعى ماتياس يايسله.
في ليلة كروية مثيرة في هونغ كونغ، عاد الأهلي السعودي إلى منصات التتويج من جديد، بعدما توج بلقب كأس السوبر السعودي للمرة الثانية في تاريخه على حساب النصر، بركلات الترجيح (5-3) بعد تعادل مثير (2-2) في الوقت الأصلي.
كان التتويج ثمرة جهد طويل وصبر على مشروع يقوده المدرب الألماني الشاب يايسله، الذي تحول من مدرب محل شكوك إلى "تميمة نجاح" أعادت "الراقي" إلى الواجهة محليًا وقاريًا.
نهائي درامي أمام النصر
شهد النهائي مواجهة مثيرة بين الأهلي والنصر، قادها خورخي خيسوس من جانب "العالمي" ويايسله من مقاعد الأهلي.
بدأ النصر التهديد مبكرًا عبر كينغسلي كومان ثم كريستيانو رونالدو الذي سجل أول أهداف اللقاء من ركلة جزاء في الدقيقة 41. غير أن فرانك كيسي نجح في إدراك التعادل للأهلي قبل صافرة نهاية الشوط الأول.
وفي الشوط الثاني، تكرر السيناريو ذاته، حيث تقدم النصر مجددًا عبر مارسيلو بروزوفيتش في الدقيقة 82، لكن إيبانيز رد سريعًا بهدف قاتل في الدقيقة 89 ليقود المباراة إلى ركلات الترجيح، حيث تفوق الأهلي بفضل براعة لاعبيه وإعداد مدربهم، ليحسم اللقب وسط فرحة عارمة.

ميلوت يشيد بيايسله
عقب المباراة، أكد النجم الفرنسي إنزو ميلوت أن فريقه لم يكتف بكأس السوبر، بل جاء من أجل المنافسة على كل الألقاب.
وقال: "حققنا لقب السوبر ونحن قادمون للمنافسة على الدوري والمنافسة على دوري أبطال آسيا للنخبة وعلى كل البطولات".
وأضاف: "أنا جئت إلى النادي الأهلي خصيصاً لتحقيق البطولات".
واعتبر ميلوت أن سر العودة في المباراة وعدم الاستسلام يعود إلى عقلية يايسله وتحفيزه المتواصل للاعبين.
بصمة يايسله الفنية في النهائي
لعبت 3 عوامل فنية دورًا بارزًا في حسم اللقب للأهلي؛ أولها نجاح يايسله في استغلال نقطة ضعف النصر الدفاعية والضغط في اللحظة المناسبة،
وثانيها الروح القتالية التي زرعها في لاعبيه والتي مكنتهم من قلب التأخر مرتين، وثالثها التغييرات التكتيكية التي أجراها، إلى جانب الإعداد النفسي والبدني المسبق لركلات الترجيح.
كيف غيّر يايسله وجه الأهلي؟
بعدما عاد الأهلي من غياهب الدرجة الثانية السعودية إلى دوري "روشن" بعد هبوط مُحبط وتاريخي غير مسبوق، تولى يايسله تدريب "الراقي" في 28 يوليو 2023 خلفًا للجنوب إفريقي بيتسو موسيماني، بعقد يمتد حتى يونيو 2026، وخلال فترة قصيرة تمكن من ترك بصمة كبيرة.
في موسم 2023-2024 أنهى الدوري السعودي ثالثًا ليؤمن عودة الفريق للمنافسات القارية، وفي موسم 2024-2025 أنهى الدوري في المركز الخامس من بين 18 فريقًا، وخرج مبكرًا من كأس الملك على يد نادي الجندل، وبلغ نصف نهائي السوبر قبل أن يودع أمام الهلال.

لكن الإنجاز الأكبر تحقق خلال موسم 2024-2025 في دوري أبطال آسيا للنخبة، حيث قاد الأهلي للتتويج بأول لقب قاري في تاريخه، محققًا قببل ذلك سلسلة من 7 انتصارات متتالية في البطولة، وهو رقم قياسي قاري.
كما أصبح يايسله أصغر مدرب يحقق دوري أبطال آسيا، وحقق مع الأهلي أسرع 30 انتصارًا في تاريخ النادي، وهو ثاني أسرع مدرب وصولًا إلى 50 فوزًا في تاريخ الفريق.
فلسفة تدريبية مستوحاة من كبار أوروبا
يايسله الذي تأثر بفلسفة رالف رانغنيك وتوماس توخيل ويورغن كلوب، صرح قائلاً: "دائمًا ما أحب الضغط على الخصم في أعلى مناطق الملعب قدر الإمكان.. وأميل إلى الفرق المهيمنة في جميع المراحل… أحاول أن أستفيد من تفاصيل هؤلاء المدربين وأبني فكرتي الخاصة".
ورغم تعرضه لانتقادات في بداياته، قال يايسله خلال ثاني مواسمه مع الفريق: "الكثير ممن انتقدوني لانتقالي إلى السعودية يتصلون بي الآن.. الجماهير أظهرت لي كل الدعم.. لقد كان عامًا أول رائعًا، والآن نحن ننافس على المراكز الـ3 الأولى".
تحولات مصيرية في مسيرة يايسله
لم يكن طريق يايسله مفروشًا بالورود، فقد واجه انتقادات كبيرة في يناير الماضي بعد تذبذب نتائج الفريق في الدوري وكأس الملك، بل ترددت أنباء عن إمكانية إقالته في يناير الماضي.
كما اصطدم برغبات السوق، إذ كان يفضل التعاقد مع جناح أيسر، لكن النادي تعاقد أولاً مع المهاجم إيفان توني قبل أن يحصل لاحقًا على غالينو، الذي رحل لاحقًا هذا الصيف إلى بورتو البرتغالي، وهو ما أسهم في تحسين الأداء الهجومي.

إضافة إلى ذلك، كان عليه التكيف مع الضغوط الهائلة لتلبية تطلعات إدارة النادي وجماهيره العريضة، خاصة بعد الاستثمارات الضخمة والتعاقد مع أسماء كبيرة مثل رياض محرز وإيفان توني؛ وروبرتو فيرمينو الذي رحل مؤخرًا إلى السد القطري.
تميمة نجاح الأهلي
بين إخفاقات محلية وانتقادات جماهيرية وبين إنجازات قارية وألقاب ثمينة، آخرها السوبر السعودي اليوم للمرة الثانية في تاريخ "الراقي"، أثبت ماتياس يايسله أنه المدرب الذي أعاد للأهلي بريقه المفقود، ووضع المدرب الألماني بصمته كرمز للتحول الكبير في مسيرة "الراقي".