hamburger
userProfile
scrollTop

إيران وكأس العالم.. انسحاب أو إقصاء أو لا شيء؟

 إيران ستخوض مبارياتها كافة في المجموعة السابعة على الأراضي الأميركية (رويترز)
إيران ستخوض مبارياتها كافة في المجموعة السابعة على الأراضي الأميركية (رويترز)
verticalLine
fontSize

شهد تاريخ بطولة كأس العالم لكرة القدم منذ انطلاقها في العام 1930، انسحابات وحالات استبعاد عدة مرتبطة بأسباب سياسية أو حروب أو توترات ديبلوماسية.

إسبانيا لم تغب فقط عن نسخة الثانية في 1938 بل عن المشهد العالمي نتيجة الحرب الأهلية بين 1936 و1939، فيما تأهلت النمسا إلى النهائيات ذاتها قبل أن تنسحب بسبب ضمّ أراضيها إلى ألمانيا النازية وإلغاء منتخبها. حتى أن النازيين دمجوا عدداً من لاعبيها مع المنتخب الألماني. من جهتها، انسحبت الصين من تصفيات 1938 نتيجة أزمة الاعتراف الدولي بين الصين الشعبية وتايوان، قبل أن تخرج لاحقاً من عائلة "فيفا"، وإنْ لفترة.

في 1950، انسحبت تركيا لأسباب مالية وسياسية مرتبطة بظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية رغم تأهلها إلى النهائيات التي استضافتها البرازيل، فيما لم تشارك ألمانيا بسبب استمرار احتلال الحلفاء لأراضيها بعد الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى حل اتحادها المحلي عام 1945 وعدم إعادة تنظيمه وقبوله مجدداً في "فيفا"، إلا في سبتمبر 1950، ما حرمها المشاركة في التصفيات.

وانسحبت 15 دولة إفريقية جماعياً من تصفيات مونديال 1966 الذي أقيم في إنكلترا احتجاجاً على نظام التأهل الذي كان يمنح "القارة السمراء" مقعداً مشتركاً مع آسيا وأوقيانيا، ما اعتُبر ظلماً سياسياً ورياضياً، فيما لم يُسمح لجنوب إفريقيا بالمشاكة بين 1966 و1990 بسبب الفصل العنصري. حتى أنه جرى تعليق عضويتها في الاتحاد الدولي حتى نهاية النظام العنصري.

دعوة للمقاطعة

وبالنسبة إلى إيران التي لطالما رسمت شكوكاً حول وضعيتها، فهي لم تنسحب رسمياً من أية بطولة نهائية، بيد أن مشاركاتها في 1998 و2018 و2022 رافقتها أزمات سياسية ودعوات للمقاطعة بسبب العلاقات المتوترة مع عدد من الدول، لكن ذلك قد يتغير هذه المرة بعدما أعرب رئيس اتحاد اللعبة، مهدي تاج، عن شكوك قوية بشأن فرص بلاده في خوض غمار كأس العالم 2026، المقررة في يونيو ويوليو المقبلين، في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وقال تاج: "بالنظر إلى ما حدث والهجوم الأميركي، يصعب علينا السعي للمشاركة في كأس العالم. ومع ذلك، فإن القرار النهائي يعود إلى كبار المسؤولين الرياضيين".

يأتي كلام المسؤول الإيراني قبل أكثر من 100 يوم بقليل من انطلاق "أكبر حدث كروي على وجه الأرض" من المقرر أن يخوضه منتخب بلاده المتأهل للمرة الرابعة توالياً إلى "العرس العالمي"، بعد تصدره المجموعة الأولى في منطقة آسيا.

وبموجب الجدول الزمني، سيتعين على إيران خوض مبارياتها كافة في المجموعة السابعة على الأراضي الأميركية، إذ تواجه نيوزيلندا وبلجيكا في لوس أنجليس (15 و21 يونيو توالياً)، ومصر في سياتل (26 منه).

ومن المقرر أن يتمركز المنتخب في "مجمع كينو الرياضي" في توكسون (أريزونا)، مع توقعات بأن يلتقي المنتخب الأميركي مباشرةً في دالاس، في 3 يوليو، ضمن الدور الإقصائي.

وكان المنتخبان تواجها في "موقعة تاريخية"، يوم 21 يونيو 1998، ضمن دور المجموعات لكأس العالم في فرنسا، في أجواء مشحونة سياسياً وُصفت فيها المناسبة بـ "أم المباريات" وانتهت بفوز إيران 2-1، كان الأول لها في تاريخ المونديال.

أقيمت المباراة وسط توترات ديبلوماسية بين الجانبين امتدت من العام 1979، ما جعلها حدثاً رياضياً وسياسياً استثنائياً شهد قيام اللاعبين الإيرانيين بتقديم الزهور البيضاء إلى لاعبي المنتخب الأميركي كرمز للسلام، كما التقط الفريقان صورة جماعية معاً.

والتقى الفريقان مجدداً في مباراة ودية بعدها بـ 18 شهراً في كاليفورنيا (الولايات المتحدة) كجزء من محاولات التقارب، انتهت بالتعادل 1-1.

وفور اندلاع الهجمات الأخيرة، عقد مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB) اجتماعاً في ويلز. وصرح الأمين العام لـ "فيفا"، السويدي-الهولندي ماتياس غرافستروم، قائلاً: "لا يزال من المبكر جداً التعليق بالتفصيل في هذا الوقت، لكننا سنراقب الوضع عن كثب. ينصب تركيزنا على ضمان إقامة بطولة كأس عالم آمنة بمشاركة كاملة من المنتخبات كافة".

وفي حال انسحاب إيران، يمكن ترقية العراق مباشرةً إلى دور المجموعات في النهائيات، على أن تحل الإمارات العربية المتحدة محل الأخير وتخوض الملحق العالمي (ضد بوليفيا أو سورينام).

جزء من المشهد

لا شك في أن تصاعد السياسة إلى مستوى الصراع يجعل من كرة القدم جزءاً من المشهد، لا خارجه، الأمر الذي يؤثر مباشرة على بطولة بحجم كأس العالم. تطل هنا برأسها أزمة التأشيرات، خصوصاً أنّ أيّ توتر ديبلوماسي مع دولة متأهلة قد يخلق أزمة في دخول الأراضي الأميركية. معلوم أن "فيفا" يُلزم الدولة المضيفة بضمان دخول المنتخبات كافة، لكن في حالات العقوبات أو الحروب، قد يتحول الملف إلى اختبار قانوني وسياسي. اللافت أن مشكلة إيران ليست حديثة، فقد رفضت المشاركة في حفل قرعة المونديال في واشنطن، في 5 ديسمبر الماضي، احتجاجاً على رفض السلطات الأميركية منح تأشيرات دخول لأعضاء من وفدها الرسمي، بينهم رئيس الاتحاد، في خطوة قالت طهران إنها تهدد مشاركتها في البطولة من الأساس. جاءت تلك الأزمة في ظل قرار أميركي بفرض حظر سفر على مواطني 12 دولة، بينها إيران، أُعلن في يونيو الماضي في عهد الرئيس دونالد ترامب، ويقضي بتقييد دخول أراضي الولايات المتحدة، رغم وعود باستثناء الرياضيين والمدربين والطواقم الأساسية المشاركة في البطولات العالمية الكبرى، ومنها كأس العالم والألعاب الأولمبية.

الأزمة الثانية تتمثل في فرض عقوبات أممية أو غربية على دولة ما. هنا، قد يواجه "فيفا" ضغوطاً لتعليق مشاركتها، كما حدث تاريخياً مع جنوب إفريقيا.

أما الأزمة الثالثة فتتركز في الاحتجاجات الجماهيرية أو المقاطعة. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، قد تتحول البطولة إلى منصة ضغط سياسي، سواء من قبل الجماهير أو الحكومات.

هل يملك الاتحاد الدولي (فيفا) أدوات حماية؟ هو يحاول دائماً تقديم نفسه كجهة "محايدة"، لكن تجربته مع أزمات سابقة تُظهر بأنه يتحرك غالباً تحت ضغط الواقع السياسي لا فوقه. فهو قادر على نقل مباريات إلى كندا أو المكسيك إذا ظهرت أزمة تأشيرات، فرض ضمانات قانونية مسبقة على الدولة المضيفة، وتعليق اتحاد وطني في حال خرق لوائحه.

في المقابل، لا يستطيع إلغاء الجغرافيا السياسية. ففي 1938، كانت الحرب العالمية واضحة المعالم، بينما يعيش العالم في 2026 حروباً هجينة: عقوبات، نزاعات إقليمية، استقطاب سياسي، وصراعات نفوذ.

الخطر هنا ليس انسحاباً جماعياً كما في 1966، بل أزمة موضعية تتحول إلى قضية رأي عام عالمي.

صحيح أن مونديال 2026 لن يُلغى، لكن احتمالية وقوع أزمات سياسية، أعلى من أي نسخة سابقة منذ الحرب الباردة.

وتصطدم هذه الحقيقة مع واقع أن كأس العالم المقبلة بالتحديد ليست مجرد حدث رياضي، بل مشروع اقتصادي عابر للقارات، فهي تضم للمرة الأولى 48 منتخباً، ما يعني مباريات أكثر، حقوق بث أكبر، ورعاة بعقود قياسية. لكن كل ذلك يقوم على شرط واحد: الاستقرار.

كلفة الاستثمار ترتفع عندما ترتفع المخاطر السياسية التي تفرز تقلبات السوق الإعلاني. فإذا مُنعت دولة كبيرة من المشاركة أو قاطعت البطولة، فإن شبكات البث تخسر جمهوراً بملايين المشاهدين، ما يضعف العائد الإعلاني. لذا، تدرج القنوات الكبرى بنوداً تحميها في حال حصول أزمات سياسية أو حروب. وأي نزاع قد يفتح باب إعادة التفاوض أو التعويض.

ولا ننسى بأن التوترات قد تدفع بعض الدول إلى شراء الحقوق بشكل منفصل أو تفرض قيود بث، ما يعقّد نموذج التوزيع العالمي.

وفي حال تعرض سوق كبير مثل الشرق الأوسط أو آسيا لأزمة سياسية أو عقوبات، فإن الطلب على شراء الحقوق في تلك المنطقة سينخفض، ما يؤدي إلى تراجع الإيرادات المحققة عن التوقعات.

حساسية السمعة

لا مفر من الأخذ بالاعتبار الرعاة الذين يتأثرون بحساسية السمعة، إذ أن هناك شركات عملاقة تستثمر بمئات الملايين لكنها، اليوم، أكثر حساسية للمخاطر المرتبطة بحقوق الإنسان، النزاعات المسلحة، والعقوبات الدولية. لذا، قد يدفع أي تصعيد سياسي علامة تجارية إلى تخفيض حملاتها الترويجية، تجميد أنشطة ميدانية أو حتى إعادة تقييم شراكتها مستقبلاً. الخطر هنا ليس الانسحاب الفوري للعلامة، بل تآكل القيمة التسويقية للبطولة.

واقع آخر يفرض نفسه ويتمثل في خضوع كل بطولة كبرى لتغطية تأمينية ضخمة ضد الإلغاء، الإرهاب، والاضطرابات المدنية.

ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية يعني أقساط تأمين أعلى، شروط تعاقدية أكثر تعقيداً، واشتراط ضمانات حكومية إضافية، ما يرفع الكلفة التشغيلية حتى قبل انطلاق المباراة الأول من "العرس العالمي".

يعتمد مونديال 2026 على تحديث ملاعب، تطوير شبكات نقل، وإنفاق سياحي ضخم، لذا قد يؤثر أي توتر سياسي على حركة السفر، طلب الجماهير الدولية، وثقة المستثمرين المحليين.

الجدير بالذكر أن الاستثمار الرياضي يعتمد على توقعات مستقرة، فيما يعتبر عدم اليقين العدو الأول لرأس المال.

نادراً ما تنهار بطولة بحجم كأس العالم، لكن العوائد قد تتقلص في الهامش.

اقتصاد الرياضة لا يتأثر بالسيناريو الكارثي فقط، بل أيضاً بتقلبات أسعار العملات، قيود التحويلات المالية، وصعوبة حركة الرعاة بين الدول.

حتى أزمة محدودة قد تُفقد البطولة مئات ملايين الدولارات من القيمة غير المباشرة، لذا، سيبقى مونديال 2026 حدثاً عالمياً ضخماً، لكن المخاطر السياسية تعمل كـ "ضريبة غير معلنة" على البطولة. وكلما ارتفع منسوب التوتر الدولي، ارتفعت كلفة التأمين، زادت حساسية الرعاة، وتقلّص هامش أرباح البث.

ووفق تحليل مالي حديث، يتوقع الاتحاد الدولي أن تكون دورة 2023-2026 الأكبر في تاريخ الإيرادات، بنحو 11 مليار دولار إجمالاً.

يُتوقع أن تصل حقوق البث وحدها إلى 4.3 مليار دولار، الرعاية والتسويق إلى 2.69 مليار، وقد تضيف التذاكر والخدمات المرتبطة 3.1 مليار.

وإذا تحقق هذا الرقم المستهدف (11 مليار)، فإن إيرادات 2026 ستزيد بنحو 45% تقريباً مقارنة بدورة 2019-2022.

كرة القدم قد توحّد الشعوب على الشاشة، لكن خلف الكواليس، تبقى رهينة ميزان القوى العالمي. صحيح أنها قد لا تشعل الحروب، لكنها بالتأكيد، لا تنجو منها.