في خضم البحث عن بديل للإسباني خوسيه ريبييرو، عاد اسم المدرب السويدي هنريك ريدستروم ليحتل صدارة المشهد الكروي، بعدما أصبح أحد أبرز المرشحين لتولي القيادة الفنية للنادي الأهلي المصري، عقب أيام قليلة من رحيله عن نادي مالمو، أحد أعرق أندية السويد.
من هو هنريك ريدستروم المرشح لتدريب النادي الأهلي المصري؟ دعونا نستعرض مسيرة مدرب كرة القدم المُلهم ورجل السياسة والفنون المثير للجدل.
مفاوضات مع الأهلي؟
خلال الأيام الماضية، نقلت تقارير صحفية مصرية عن مصادر داخل النادي الأهلي تأكيده وجود "اتصالات مبدئية" مع المدرب السويدي هنريك ريدستروم، ضمن قائمة المرشحين لخلافة ريبييرو، لكنه شدد على أن المفاوضات لم تصل إلى مرحلة الحسم بعد.
وجاء ذلك بعد إقالة المدرب الإسباني عقب الخسارة أمام بيراميدز بهدفين دون رد في الدوري المصري، وهي الهزيمة التي فتحت الباب أمام التغيير الفني في القلعة الحمراء.
وفي رده على أنباء ترشحه لتدريب الأهلي، قال ريدستروم لصحف سويدية: "الأهلي نادٍ عملاق، ومن الطبيعي أن تتردد أسماء عديدة في مثل هذه المواقف، لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك".
من هو هنريك ريدستروم؟
هنريك بير-إريك ريدستروم، المولود في 16 فبراير 1976 في مدينة ليستيربي السويدية، هو مدرب كرة قدم ولاعب سابق، عُرف بشخصيته القيادية القوية واهتمامه بالقضايا الاجتماعية والسياسية، ما جعله من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في الكرة السويدية.
شغل مركز الوسط الدفاعي طوال مسيرته كلاعب، واشتهر بدقته في التمرير وحضوره القيادي داخل الملعب وخارجه.
بدأ مسيرته في نادي "كالمار إف إف" عام 1994، وظل مخلصًا له حتى اعتزاله عام 2013، ليصبح اللاعب الأكثر خوضًا للمباريات في تاريخ النادي برصيد 802 مباراة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الكرة السويدية.
وقد اختير في عام 2008 كأفضل قائد فريق في الدوري السويدي، في تصويت أجراه لاعبو البطولة أنفسهم.
وبعد اعتزاله، تم تخليد اسمه على "لائحة الشرف" في نادي كالمار عام 2017، كما قرر النادي حجب القميص رقم 8 الذي كان يرتديه تكريمًا له.
بداية المشوار التدريبي
دخل ريدستروم عالم التدريب من بوابة ناديه الأم كالمر إف إف عام 2016 كمساعد مدرب، قبل أن يتولى قيادة الفريق الأول مؤقتًا في 2018.
ورغم تحقيقه نتائج إيجابية، قرر مجلس إدارة النادي عدم استمراره، لينتقل في ديسمبر من العام ذاته إلى تدريب نادي إي كي سيريوس، حيث قاده رفقة المدرب ميرزا يليتشاك، قبل أن يتولى المسؤولية منفردًا عام 2020.
وفي نهاية ذلك العام، عاد إلى كالمر مدربًا للفريق الأول بعقد طويل الأمد، قاده خلاله لتحقيق طفرة فنية ولافتة في الأداء، قبل أن يلفت أنظار نادي مالمو، الذي أعلن تعيينه رسميًا في نوفمبر 2022 مديرًا فنيًا للفريق الأول.
نجاحات مع مالمو وألقاب متتالية
قاد ريدستروم نادي مالمو لتحقيق لقب الدوري السويدي مرتين متتاليتين (2023 و2024)، إضافة إلى كأس السويد موسم 2023-2024، ليعيد الفريق إلى واجهة المنافسة المحلية والأوروبية.
غير أن الموسم الأخير شهد تراجعًا مفاجئًا في النتائج، إذ تراجع مالمو إلى المركز الخامس بفارق 18 نقطة عن المتصدر ميالبي، ما أدى إلى إنهاء العلاقة التعاقدية بين الطرفين.
وعن تلك المرحلة، قال ريدستروم في تصريحات لصحيفة "Dagens Kalmar": "أشعر بفخر كبير بما أنجزته في مالمو، حيث حققنا ثنائية محلية لأول مرة منذ 38 عامًا. أحب الدوري السويدي، لكن بعد الفوز بكل شيء تقريبًا هنا كلاعب ومدرب، ربما تكون الخطوة المقبلة في دوريات أخرى أكثر جاذبية".
سياسي مثير للجدل
بعيدًا عن الملاعب، يُعد ريدستروم شخصية فكرية ذات اهتمامات سياسية يسارية، إذ شارك في فعاليات الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، وألقى خطابات باسمه رغم أنه ليس عضوًا رسميًا في الحزب.
وقد أثار جدلاً واسعًا عندما صرّح في إحدى المقابلات مع صحيفة محلية بأنه يريد "محاربة حزب الديمقراطيين السويديين بشراسة أكبر"، وهو تصريح أثار غضب أنصار الحزب اليميني وخلق حالة من الجدل حول حياد الأندية الرياضية سياسيًا.
كما يُعرف ريدستروم بكونه أكاديميًا ومثقفًا، حاصلًا على درجة الماجستير في الدراسات الأدبية، إلى جانب كونه كاتبًا ومراجعًا موسيقيًا سابقًا لعدد من الصحف السويدية الكبرى.
فلسفة مختلفة في كرة القدم
في مقابلة مطوّلة مع شبكة "سكاي سبورت" البريطانية عام 2024، كشف المدرب السويدي هنريك ريدستروم عن خفايا تحوّله إلى أحد أكثر المدربين ابتكارًا في أوروبا، مستعرضًا المراحل الفكرية التي صاغت فلسفته الكروية المميزة، والتي تجمع بين الحرية الإبداعية والجرأة التكتيكية.
بدأت القصة عام 2006 حين كان ريدستروم لاعبًا في صفوف كالمار السويدي خلال مواجهة فريق تفينتي الهولندي في بطولة الإنترتوتو الأوروبية، حيث قال: "لم نلمس الكرة تقريبًا طوال المباراة. كنا نعتقد أن كرة القدم هي الدفاع والهجمات المرتدة فقط".
تلك التجربة كانت الشرارة التي دفعته لإعادة التفكير في مفهوم اللعب نفسه.
وأضاف: "كنت أشعر أننا نهتم كثيرًا بعدم ارتكاب الأخطاء، بدلاً من أن نحاول الإبداع".
من غوارديولا إلى دينيز
اعتمد ريدستروم في بداياته كمدرب على المدرسة المكانية التي اشتهر بها بيب غوارديولا، والقائمة على إشغال المساحات وتنظيم التمركزات.
لكنه سرعان ما وجد نفسه مفتونًا بأسلوب مغاير تمامًا بعد متابعته للمدرب البرازيلي فرناندو دينيز، الذي قاد فلومينينسي لاحقًا للفوز بـكوبا ليبرتادوريس.
يقول ريدستروم: "شاهدت لقطات له على (تويتر) وبدت المواقع داخل الملعب وكأنها فوضوية، لكن فيها نوع من السحر".
بدأ ريدستروم يتبنّى ما وصفه بـ"اللعب العلاقي"، وهو أسلوب يقوم على التقارب الشديد بين اللاعبين بالكرة وليس فقط بدونها، لبناء الترابط والابتكار من المساحات الضيقة.
أوضح قائلاً: "أردت أن نكون قريبين من بعضنا بالكرة أيضًا، كي نجد الحلول معًا ونتقدّم من هناك".
كرة القدم كفنٍّ من المتعة
وصف ريدستروم فريقه مالمو قائلاً: "نبدو كالسحرة في عروض الخداع البصري، كل شيء يحدث أمام الخصم، لكنه لا يفهم كيف سرقنا الكرة فجأة".
هذه الفلسفة، التي تُشبه كرة الشوارع أكثر من كرة الملاعب، حققت نجاحًا سريعًا حين أعاد مالمو إلى منصة التتويج بلقب الدوري السويدي.
لكن المدرب السويدي يعترف أن فكرته لا تلقى دائمًا القبول، مضيفًا: "الجماهير تريد السرعة، لكننا نُبطئ الإيقاع لنخلق الزوايا ونفاجئ الخصم. أحيانًا أتفق معهم في الاستوديو فقط لأتجنب النقاش".
واختتم ريدستروم حديثه قائلاً: "أهم ما في الأمر أن اللاعبين يستمتعون باللعب. نعم، نريد الفوز، لكننا نريد أن نشعر بكرة القدم أيضًا".