دكتور خالد غطاس يصرح أن حياته أصبحت تميل للأسود مؤخرًا
عندما سُئل الدكتور خالد عن اختياره للون الأسود كبداية، أجاب بأنه أراد أن "يخلص من الصعب أولًا"، مشيرًا إلى أن هذا اللون أصبح يعكس حالته مؤخرًا، رغم أنه لم يكن كذلك في السابق.
وتحدث عن تقلبات الحياة وكيف أن مشاعر الإنسان تمر بمراحل، من الأبيض والأسود والعكس، وهذه الثنائية هي ما يضفي غنى على التجربة الإنسانية. فالحياة بلون واحد، إن كان لون المشاعر أو الذكريات أو مستويات التجربة هي حياة ناقصة.
أوضح الدكتور خالد أن تغيّره بدأ منذ حوالي 7 سنوات، وهي الفترة التي بدأ فيها يتحمل مسؤوليات حقيقية. قبل ذلك، رغم أنه كان يتعلم، لم يكن يعيش الحياة بعمق. وأبرز حدثين شكّلا شخصيته في هذه المرحلة هما الغربة والوحدة.
روى الدكتور خالد عن أول مرة اختبر فيها معنى الوحدة، عندما كان في لبنان خلال حرب تموز 2006، حيث فقد أصدقاءه المقربين الذين سافروا وتركوه وحيدًا. كانت تجربة صادمة له، فذكر أنه لم يكن قد أكل وجبة وحده قبل تلك اللحظة.
الغوص في المشاعر ليس دائمًا الحل
تحدث غطاس عن خطأ شائع يرتكبه الكثيرون، وهو الغوص العميق في المشاعر والمعاناة. قال إن التأمل الزائد في الحياة يزيد من آلامها، وإن العواطف بطبيعتها موجعة، وقد تكون سببًا للحماية، لكن الإنسان بحاجة لأن يكون عاقلًا، يوازن بين الشعور والتفكير.
أكد الدكتور أن الإنسان الحقيقي ليس من تغلب عليه العاطفة فقط، ولا من يحكمه العقل فقط، بل هو مزيج من الاثنين.
وذكر الدكتور خالد غطاس أن محاولة فصل الخير عن الشر داخل الإنسان غير واقعية؛ الإنسان بطبيعته يحتوي كليهما، ويعيش صراعًا دائمًا بينهما. المطلوب هو فهم هذا الصراع وتقبله، ومسامحة الذات في لحظات الضعف.
استشهد غطاس بحديث نبوي: "كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون"، ليؤكد أن الخطأ جزء من تكوين الإنسان، ولكن الأهم هو التوبة أي مراقبة الذات والنية والسير في الطريق الصحيح بعد ذلك. لكنه أشار إلى أن المشكلة ليست في الخطأ نفسه، بل في عدم الاعتراف به، لأن كثيرًا من الناس يظنون أنفسهم مظلومين وهم في الحقيقة ظالمون.
في واحدة من تشبيهاته، قال الدكتور إن الإنسان يحتاج إلى رواية حياته كقصة متماسكة، لأن العقل البشري يرفض الفوضى ويحب التسلسل المنطقي.
وشبه الحياة بالنكتة التي نصنع منها قصة متناغمة. هذه الفكرة تعكس كيف نحاول نحن كبشر إعطاء معنى للأحداث العشوائية أو المؤلمة التي نمر بها، من خلال روايتها كبداية وذروة ونهاية.
مرض والدة خالد غطاس كانت النكسة التي غيرت كل شيء
شارك الدكتور خالد غطاس بتجربة شخصية مؤثرة، حين تحدث عن مرض والدته الأخير. قال إنه توقف عن كل نشاطاته، من مقابلات وإنتاج محتوى، ليكون إلى جانبها.
وشرح كيف أن هذه التجربة هزته بعمق وذكرته بضعف الإنسان وحقيقة الحياة. أوضح أن لحظة رؤيته لوالدته تتعلم البلع من جديد كانت من أعظم اللحظات في حياته، رغم بساطتها، لأنها جعلته يعيد فهم النعمة التي كان يعتبرها تحصيلًا حاصلًا.
وصف دكتور غطاس كيف أن بداية الفقد لا تشبه النهاية، لكنها تزلزل الكيان. يؤكد أن الإنسان هو نتاج علاقاته، وخصوصًا القريبة منها، مثل علاقة الإنسان بأمه. فالأم، كما يقول، هي امتداد لهوية الشخص. عندما تُفقد الأم، يفقد الإنسان جزءًا من هويته. ولذلك، الفقد ليس فقط شوقًا، بل انهيار لجزء من الذات.
الفقد كظاهرة عصبية ونفسية
يشرح د. غطاس كيف يشبه الفقد ظاهرة عصبية تسمى "Phantom Limb" – أي الألم الذي يشعر به الإنسان في عضو بُتر، لكنه ما زال موجودًا في الدماغ. كذلك، عند فقدان شخص عزيز، يظل مكانه موجودًا في الدماغ والذاكرة، مما يجعل الألم حقيقيًا ومستمرًا حتى بعد الفقد.
وقد سأل محمد قيس عن الطريقة المثلى للتعامل مع هذا النوع من الألم، فأجاب الدكتور غطاس بأن الخوف من الفقد يجب ألا يُهرب منه، بل يجب زيارته ذهنيًا من حين إلى آخر. فالإنسان بحاجة أن يتأمل فقده المحتمل، لأنه لا مفر منه. هذا التمرين العقلي، برأيه، يجعلنا أكثر جاهزية ورضا عند حدوثه.
هل الألم ضروري للنضج؟
انتقل الحوار للحديث عن الغربة، حيث يعتبر محمد قيس أن الغربة مؤلمة لكنها أيضًا تُصنعك. وقد وصف تجربة الغربة بأنها أفقدته جزءًا من هويته الاجتماعية.
وقد تساءل محمد قيس: "هل يكون الألم ضروريًا للنضج؟ هل كان يمكن أن نتعلم دون أن نتألم؟" أراد دكتور خالد ترك هذا السؤال مفتوحًا، ولكنه ردد مقولة توفيق الحكيم: "لا شيء يجعلنا عظماء إلا ألم عظيم". ومع ذلك، لا يُجزم إن كنا فعلًا بحاجة إلى أن نكون عظماء أو أن نخوض كل هذا الألم لنصل.
وقد استشهد دكتور غطاس بمقطع شعري كتبه عن الغربة والوحدة، يقول فيه:
"عجزت عن منام الليل جفونها
فدارت توقظ من غفى من النزلاء
جالت برأسي تحاكي نفسها
هنا قصرك فافعلي ما تشائي
وحدتي أنجبتها من غربتي التي أفنتني
وما يبدو لها من فنائي
دفعت شابًا جهولًا للزواج بأمها
أثناء بحثي خارج منزلي عن رخاء".
فقد تحدث الدكتور غطاس عن تجربته في الغربة، متنقلًا بين السعودية، ثم إسبانيا، وبعدها دبي، ليستقر أخيرًا في بيروت. وصف الغربة بأنها، في أحيان كثيرة، لا تكون اغترابًا حقيقيًا، إذ يهاجر الكثير منّا إلى دول تشبهنا ثقافيًا ودينيًا، وتلك غربة مخففة. لكن الغربة القاسية الحقيقية، كما يقول، هي تلك التي تضعك في بيئات شديدة الغرابة عنك من حيث اللغة والعادات والانتماء.
أوضح الدكتور غطّاس أن أخطر ما في الوحدة هو أنها تتحول إلى منطقة راحة مزيفة. يبدأ الإنسان في الاعتياد عليها حتى تصبح نمط حياة، فيبتعد عن الناس ويتجنب الألم، لكنه يخسر في المقابل الجزء الأصيل من إنسانيته.
وأوضح أن الوحدة الحقيقية ليست صحية، فنحن كائنات اجتماعية، نستمد معناها من علاقاتنا.