hamburger
userProfile
scrollTop

التفكير الزائد: هكذا تتغلب على "مرض العصر".. وهل يسبب الوفاة؟

التفكير الزائد قد يقصر العمر فعلاً
التفكير الزائد قد يقصر العمر فعلاً
verticalLine
fontSize
قد يكون أصعب ما نواجهه في عصرنا هذا هو التفكير الزائد، الذي بات يلازم كثيرين ويحرمهم هناء العيش، حتى أنّ البعض يسميه "مرض العصر". من هنا يبحث كثر عن أساليب وطرق للتخفيف من التفكير الزائد الذي يسبب لهم المتاعب والقلق.

ولذلك نعرض في هذا الموضوع لأبرز ما يجب معرفته عن التفكير الزائد أعراضه وأسبابه وأضراره وكيفية التخلص منه.

ما هو التفكير الزائد؟

التفكير الزائد هو انشغال الذهن بأفكار بشكل مستمرّ، وهذه الحالة تجعل من العقل يدخل في دوامة والتفكير والتحليل المفرط سواء كان ذلك لأمر واحد فقط أو لمجموعة من الأفكار والمواضيع والأحداث معًا. وغالبًا ما يكون لوقت وفترات أطول مما يتطلبه الموقف.

يمكن تقسيم التفكير الزائد إلى نوعين أساسيين، هما النوع الطبيعي والنوع غير الطبيعي. النوع الطبيعي هو ما يحدث بشكل موقت ولا يكون مستمرًا، ويعيشه المرء في الأوقات والمواقف التي تتطلب اتخاذ قرار مصيري، مثل القرارات التي تتعلق بالارتباط والزواج أو العمل والسفر وغيرها. وغالبًا ما يمرّ معظم الناس بهذه الحالة من التفكير الزائد في هذه المواقف، ولكن من دون أن يترك أثرًا طويل الأمد.

أمّا النوع غير الطبيعي، فهو أكثر إرهاقًا وتأثيرًا ويحصل عندما ينغمس الشخص في التفكير مطوّلًا في الأحداث وتحليلها، حتى وإن مرّ عليها الوقت وباتت من الماضي. ومن جرّاء التفكير الزائد في هذه الأحداث يشعر الشخص بالندم ويقوم بجلد نفسه على ذلك مرارًا، أو أنه يقوم بنسج سيناريوهات تؤثّر على حاضره ومستقبله.


التفكير المفرط

يعيش الأشخاص الذين يعانون من التفكير الزائد أو المفرط في عقولهم، أكثر مما يعيشون في الحاضر. وقد يعمدون إلى إعادة التفكير في كلّ محادثة أو موقف حصل معهم التساؤل حول ما إذا كانوا قد قالوا أو تصرفوا بشكل خاطئ، أو إن كانوا تسببوا بالإزعاج لأحد، أو أنّ أحدهم فهمهم بشكل مختلف. وتتحوّل هذه الأفكار إلى صور سوداوية وكئيبة ومؤذية في بعض الأحيان. كما أنّ الأشخاص الذين يعانون من التفكير الزائد يتخيّلون سيناريوهات سلبية وكارثية، ما يفقدهم الطمأنينة.

ورغم أنّ التفكير بحدّ ذاته يُعتبر مهارة مهمة، إلا أنّ المبالغة فيه تفقده فائدته. فالتفكير الزائد يستنزف الطاقة العقلية والعاطفية، وقد يتحوّل إلى عبء يومي يؤثر في مزاج الشخص ويزيد من مستويات القلق والتوتر، ويمنع الشخص من التقدّم أو الاستمتاع بالحياة.

أعراض التفكير الزائد

يوثر التفكير الزائد الذي لا يعتبر مجرد عادة مزعجة على حياة الشخص من نواحي عدة. ويظهر ذلك جليًا من خلال مجموعة من الأعراض الجسدية والسلوكية والنفسية التي يمكن ملاحظتها لدى الشخص الذي يعاني من التفكير الزائد.

نقص التركيز

ويُعتبر نقص التركيز من أبرز أعراض التفكير الزائد، إذ يجد الشخص صعوبة في التركيز بشكل كامل على ما يقوم به، أو الانتباه بشكل كامل إلى مهمة ما، حتى وإن لم تكن معقدة، وذلك لأنّ العقل يكون مشغولًا بسيناريوهات ومواقف أخرى تمنعه من أن يكون حاضرًا ذهنيًا.

اضطرابات النوم

ومن بين الأعراض الشائعة أيضًا، هي اضطرابات النوم، إذ غالبًا ما يقول الكثير ممن يعانون من التفكير الزائد، إنّهم لا ينامون بشكل جيد وتبقى أفكارهم ودماغهم متيقظًا لساعات وهم يفكرون في أحداث ويشعرون بالقلق. ويصفون ما يحصل معهم كأنّ الجسد نائم لكنّ العقل لا يهدأ. وهو ما يؤدي إلى الإرهاق الذهني والبدني.

الندم وتأنيب الذات

إلى جانب يبرز الندم وتأنيب الذات الذي يأتي من التفكير كثيرًا في مواقف حصلت في الماضي، وخصوصًا تلك التي ترتبط بشعور ما لدى الشخص، ويعتبر أنها محرجة أو غير مثالية، فيعمد إلى التفكير فيها مطولًا محاولًا تحليلها مرارًا. ويمكن ملاحظة عدم استمتاع وانغماسه الشخص في حياته اليومية، وذلك لأنّ عقله لا يكون حاضرًا.

القلق والخوف

ويترافق التفكير الزائد مع قلق دائم وشعور بالخوف من ما هو قادم، حتى وإن لم يكن هناك سبب واضح لذلك. كما تظهر على الشخص أعراض جسدية مثل صداع متكرر وتوتر عضلي أو اضطرابات في المعدة، وكلها انعكاسات مباشرة للتوتر العقلي المستمر.


أسباب التفكير الزائد

لمعرفة كيفية التعامل مع التفكير الزائد لا بدّ من فهم أسبابه. فالتفكير المفرط عادة ما يكون نتيجة تراكمات داخلية وتجارب سابقة تركت أثرًا في نفس صاحبها.

من أبرز أسباب التفكير الزائد هو الشعور بالخوف والقلق، إذ يعيش الشخص حالة من الترقب الدائم، وينشغل بأفكار تتعلق بالمستقبل وسيناريوهات مليئة بالمخاطر المحتملة والمجهول.

بالإضافة إلى ذلك، يًعتبر السعي نحو الكمال أحد الأسباب الشائعة للتفكير المفرط، لأنّ الشخص الذي يفكر كثيرًا يخشى ارتكاب الأخطاء ويدقق في التفاصيل الصغيرة.

تلعب كذلك صدمات الطفولة والتجاوب المؤلمة التي مرّ بها الشخص، دورًا كبيرًا. ونتيجة هذه الصدمات يصبح التفكير كثيرًا آلية دفاعية يستخدمها العقل لحماية نفسه من الألم. فالشخص الذي تعرّض للإيذاء أو الإهمال في صغره، غالبًا ما يتطور لديه شعور بعدم الأمان، فيقوم بتحليل معظم الأشياء من حوله بدقة.

وتجدر الإشارة كذلك إلى أنّ بعض الأشخاص يفرطون في التفكير في محاولة لتجنّب الصراعات والمشكلات.

إلى جانب كل ذلك، الرغبة في السيطرة على كل ما يحدث من حولك، تُعتبر من الأسباب وراء التفكير المفرط. فالأشخاص الذين يعانون من فرط التفكير يجدون صعوبة في تقبّل أنّ هناك أشياء في الحياة لا يمكن التحكّم بها، ولذلك فإنّهم يعمدون إلى التفكير بكل الاحتمالات ووضع خطط بديلة لكل موقف.

أضرار الإفراط في التفكير

الإفراط في التفكير يدخل الشخص في دوامة مستمرة من الأفكار حول أمور مضت ولا يمكن تغييرها، أو حتى حول أحداث لم تحصل بعد. على الصعيد الجسدي، يحفز التفكير المفرط الجسم على إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، ما يؤدي إلى أعراض مزعجة كجفاف الفم وتسارع ضربات القلب وآلام العضلات والغثيان والدوخة والصداع وصولًا إلى ضعف التركيز.

ومن أبرز الأضرار أيضًا الإصابة بالقلق والاكتئاب، إذ يرى الشخص كل ما حوله بشكل متشائم ويصبح أكثر ميلًا نحو العزلة. كما أنّ الفكير المفرط يؤدي إلى ضياع الفرص، لأنّ الشخص يكون منشغلًا في تفكير وتحليل كل تفصيل ما يجعل مرهِقًا، فيمر الوقت وتضيع الحلول. إلى جانب ذلك، تسيطر على الشخص الأفكار السلبية والسوداوية، لأنّه يصبح غير قادر على رؤية الأمور بشكل إيجابي بسبب التفكير المفرط، وهو ما يعوّق التوصل إلى الحلول. كذلك، يُعتبر الأرق من أبرز الأضرار، لأنّ عقل الشخص يستعيد كل المواقف والمشاعر المؤلمة ليلًا فيحرم جسده من النوم والراحة.

هل التفكير الزائد يسبّب الموت؟

قد يندهش كثيرون من حقيقة أنّ التفكير المفرط قد يسبب الموت. فقد توصلت دراسة أصدرتها كلية الطب بجامعة هارفارد إلى نتيجة مقلقة تفيد بأنّ الإفراط في التفكير قد يقصر العمر فعلًا. فبعد تحليل أنسجة دماغية لأشخاص تراوحت أعمارهم بين الستين والسبعين، ومقارنتها بأدمغة أشخاص عاشوا نحو مئة عام، تبيّن أنّ من توفّوا في سن مبكّرة، كانت لديهم مستويات منخفضة من بروتين يسمى rest. وهذا البروتين مسؤول عن تهدئة نشاط الدماغ وحمايته من الإجهاد المفرط.

وخلص الأطباء إلى أنّ كثرة التفكير يُنهك الدماغ ويُضعف هذا البروتين ما يسرّع من التدهور العقلي، ويزيد خطر الإصابة بأمراض مثل الزهايمر. ولذلك فإنّ هذه الدراسة لا تُظهر فقط أنّ التفكير المفرط يضعف جودة الحياة، بل إنّه قد يكون عاملًا خفيًّا في قصرها.


كيف أتخلص من التفكير الزائد؟

كيف أتخلص من التفكير الزائد؟ سؤال يسأله كثر ممن يعانون من الافراط في التفكير، وذلك نظرًا للجهد والتعب الذي يشعرون به نتيجة ذلك.

الكتابة هي إحدى أهم الأدوات التي تساعدك على إخراج الأفكار من دوامة اللاوعي. فالتعبير عن أفكارك على الورق، وتدوين كل ما يدور في ذهنك ومواجهته بموضوعية.

إلى جانب ذلك يجب العمل على أن تعيش حياة صحية من خلال روتين صحي يومي، وذلك عبر النوم الجيد والأكل بشكل متوازن وممارسة الرياضة بانتظام. وهذه العوامل تقلل من قابلية العقل للدخول في دوائر التفكير القهري، وتساعد على استقراره النفسي.

كذلك عليك أن تشغل نفسك ووقتك بأمور إيجابية تعود بالنفع عليك وعلى حياتك، أو تسهم في تحسين حياة من حولك. مثلًا يمكنك القيام بأعمال تطوعية كممارسة هواية تحبها أو البدء بمشروع صغير. وتجنّب التشتت السلبي مثل استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير، لأنّ ذلك قد يزيد من مشاعر المقارنة.

حاول أيضًا ممارسة التأمل أو الطقوس الروحانية التي تشعرك بالسكينة. فممارسة التأمل مثلًا تساعدك على تهدئة العقل والعودة إلى الحاضر، وقد أثبتت الأبحاث فاعليتها في كسر التفكير المفرط.

يمكنك أيضًا التحدث إلى شخص تثق به، لأنّ الدعم الاجتماعي مهم جدًّا في كسر حلقة التفكير المفرط. وحاول ألا يكون ذلك بهدف التذمر بل للترفيه عن النفس، الذي قد يعينك على رؤية الأمور من زاوية جديدة.

وأخيرًا حاول أن تكون لطيفًا مع نفسك فلا تعاقبها على كل فكرة خاطئة أو قرار غير موفق. وحاول التخلي عن الكمال والقسوة واللوم.

علاج التفكير الزائد والقلق

التفكير المفرط يزيد من القلق لدى الأشخاص، والعكس صحيح فالإثنان وجهان لعملة واحدة وهما متكاملان. ولذلك خذ بعين الاعتبار هذه الإرشادات لعلاج التفكير المفرط والقلق:

  • شارك في أنشطة مفيدة ومنوعة
  • اتبّع نظامًا غذائيًا صحيًا يعزز من رفاهيتك
  • ابتعد عن العادات الضارة بصحتك الجسدية والنفسية
  • خصّص وقتًا لممارسة التأمل واستعادة الهدوء الداخلي
  • إجعل الضحك جزءًا من روتينك اليومي
  • حافظ على التواصل الإيجابي مع من حولك
  • حاول ممارسة تمارين اليوغا لتصفية ذهنك وتقوية جسدك
  • احرص على الحصول على قسط كافٍ من النوم
  • استمع إلى الموسيقى واستمتع بها
  • عبّر عن نفسك وأفكارك
  • لا تتردد في طلب الاستشارة والدعم عند الحاجة

هل التفكير الزائد مرض نفسي؟

لا يُعتبر التفكير المفرط مرضًا نفسيًا، فهو أقرب إلى الاضطراب النفسي منه إلى المرض. فالتفكير كثيرًا يُعتبر عارضًا يترافق مع عدد من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب واضطراب القلق العام. فعندما يفرط الشخص في التفكير في الأمور الصغيرة والكبيرة والمستقبلية من دون القدرة على التحكم في أفكاره، تصبح هذه الأفكار مسيطرة على ذهنه، ما يرهق جهازه العصبي على المدى البعيد.

تجدر الإشارة إلى أنّ الحالة المتفاقمة من التفكير المفرط، قد تؤدي إلى اضطرابات أكثر تعقيدًا أبرزها القلق العام.

هل التفكير الزائد يسبب الجنون؟

رغم المساوئ الكثيرة التي ترافق التفكير المفرط إلا أنّه لا يسبب الجنون. ولكن إذا فقد الشخص السيطرة على أفكاره وذهنه، فإنّه يصبح أكثر عرضة للاضطرابات العقلية الحادة. وبسبب هذه الحالات التي يعيشها، فإنّه يشعر بالعجز والانعزال وغيرها. وتُعتبر الضغوط الحياتية عاملًا مؤثرًا في هذا الأمر.

متى تحتاج إلى مساعدة متخصّص؟

متى نحتاج إلى علاج التفكير المفرط وزيارة متخصّص؟ سؤال يطرحه كثيرون ممن يعانون من هذا الأمر. ولذلك لا بدّ من التنبه إلى العوارض والسلوكيات التي تؤثر على حياتك اليومية، وتحول دون تمكنك من القيام بالمهام الروتينية المعتادة. وبالتالي عندما تشعر أنّ التفكير المفرط يسيطر عليك ويعوّق مهامك وحياتك، أو يسبب لك تنامي اضطرابات أخرى، عندها تصبح الحاجة ملحّة إلى طلب مساعدة متخصّص. 

للمزيد :

التفكير السلبي والتفكير الايجابي
معوقات التفكير الابداعي
- أنواع التفكير النقدي
تعريف التفكير الناقد