في سن الـ38، ما زال الصربي نوفاك ديوكوفيتش يبحث عن "شيء ما" رغم تحقيقه كل شيء.
ماذا يريد "العجوز"، حامل الرقم القياسي في عدد مرات التتويج بالألقاب الكبرى للتنس، بعدما حصد 24 منها؟ عمّا يبحث "نوله" بعدما حقق الألقاب الأبرز كافة (البطولات الـ4 الكبرى، بطولات ماسترز الـ1000 نقطة، ونهائيات الـATP)، متفوقاً، في هذا الجانب، على الجميع، بمن فيهم الإسباني رافايل نادال والسويسري روجيه فيدرر؟
لماذا يصر على الاستمرار رغم كونه الأكثر حصداً للأموال من جوائز البطولات بين اللاعبين الحاليين بأكثر من 175 مليون دولار ويملك في رصيده أكثر من 400 أسبوع على رأس التصنيف العالمي؟
رغبة المضي قدماً رغم عوائق جسدية هائلة، تعود إلى ماضٍ أليم عاشه الصربي. صعوبات نفسية كبيرة حملها نوفاك من طفولته ويرى بأنها تستحق مزيداً من العناء والعطاء داخل الملاعب.
مسيرته، لا بل حياته برمّتها، عبارة عن تحديات. نشأته الصعبة في بلجراد، العاصمة الحالية لصربيا التي كانت جزءاً من يوجوسلافيا، في ظل حروب البلقان في التسعينيات.
تدرب وسط ظروف قاسية، أحياناً تحت الأرض، في ملاجئ الحماية من القصف.
آمنت العائلة بموهبته. يقول: "شاهدت والدي هارباً في سيارته من مجموعات إجرامية لأنه أراد التضحية من أجلي. اقترض أموالاً بفوائد خيالية كي يؤمّن لي ثمن تذكرة سفر إلى الولايات المتحدة لخوض بطولة للناشئين. جاء ذلك بعد خسارته مطعم البيتزا ومنتجع التزلج نتيجة التضخم وانهيار العملة".
ويضيف اللاعب الذي لا ينسى فضل المدربة التي اكتشفته، يلينا جينسيتش: "والدي هو سبب بروز اسمي والحال الذي وصلت إليها من شهرة لأنه شخص لا يقهر. قام بأمور خارقة من أجلي لأنه آمن بي وبموهبتي وشجعني على دخول عالم التنس رغم الألم الكبير الذي شعر به والديون المتراكمة. حققت حلمه ولم أقصّر معه لأنه الرجل الذي وقف معي وحارب كثيراً من أجلي".
تجارب زرعت فيه المرونة وقوة ذهنية ساعدته في الملاعب، ومنها تعلّم الصبر والانضباط: "إذا تمكنت من البقاء على قيد الحياة خلال الحرب، فيمكنني التعامل مع أي شيء في الحياة أو الرياضة".
الشخصية التي عانت في الصغر دفعته نحو العمل الإنساني. أنشأ مؤسسة خيرية تحمل اسمه لدعم تعليم الأطفال في صربيا، كما تعهد، فور الإعلان عن اغتيال الناشط الجمهوري الأميركي، تشارلي كيرك، بسداد نفقات معيشة وتعليم طفليه.
خطوات تؤكد ارتباط ديوكوفيتش بماضيه ورغبته الدائمة بمداواة جراح راسخة فيه.
الطب البديل
التحدي الآخر تمثل في التزامه الصارم مع جسده. كشف عن أسرار غريبة خلف بنيته الجسدية المذهلة في سن الـ 38، مشيراً إلى تناوله مأكولات خاصة، أبرزها الطحالب والأعشاب البحرية، وذكر بأن "لحظة استيقاظي دائماً ما تترافق مع دعاء. هو تعبير عن الامتنان أولاً لكوني على قيد الحياة وحصولي على فرصة أخرى للعيش في ذلك اليوم"، وتابع: "ثم أتناول الماء الفاتر والليمون والملح لتجديد الإلكتروليتات والمعادن وتنشيط نفسي. أحب تناول الفاكهة والعصائر للحصول على بعض الفيتامينات. لا أحتسي القهوة. ربما الشاي الأخضر من حين لآخر. أحب السباحة في البحر، ركوب الدراجات، المشي لمسافات طويلة والركض. أهوى ممارسة كرة القدم، كرة السلة، البادل، وكرة الطاولة لتنشيط الدورة الدموية، وأقوم بأنشطة مريحة مثل الساونا وحمام الثلج".
يصل ديوكوفيتش إلى عمق الملعب بسرعة هائلة لضرب الكرة وينشر ساقيه أفضل من أي لاعب آخر. سر نجاحه هو التزلج الذي بدأ ممارسته عندما كان عمره نحو سنتين فقط.
ولدى النجم الصربي قناعات جسدية، إذا جاز التعبير. فقد دفع غالياً ثمن رفضه لقاح "كورونا"، والذي كلّفه الإبعاد عن بطولات عدة.
أعاد البعض ذلك إلى قدرته في ترسيخ عقلية تزعم السيطرة على التأثيرات الخارجية بعدما تعلم في صربيا التي مزقتها الحرب أن يكون مكتفياً ذاتياً.
هذه المقاومة والمعاناة المتأصلة، التي غالبا ما تفسَّر على أنها بغيضة أو منعزلة، كانت دائماً أساسية لشخصيته.
عقلية المستضعف ساعدت على تفسير إيمانه بالطب البديل وشكوكه في العلوم التقليدية. يصر على أنه يستطيع إيجاد "طرق أساسية للبقاء" عبر الاستفادة من قوة جسده، سواء عند محاربة فيروس أو إصابة، بلا حاجة لتدخل خارجي.
الرقم واحد
التحدي الأكبر كان تنافسياً بامتياز. اعترف سابقاً بأن محبي التنس لم يتقبلوا دخوله المنافسة مع فيدرر ونادال لفترة طويلة: "كنت ببساطة شخصاً صغيراً جاء وقال: سأكون الرقم واحد. لم يعجبهم ذلك على الإطلاق. أحترمهما وأقدرهما كما كنت أفعل دائماً. لم أقل كلمة سيئة عنهما ولن أقول، لكن الأمر الثاني الذي قلته: ببساطة، سأكون أفضل منهما".
كان واقعياً في مقاربة الموقف: "قلت إنه يجب أن أقتنع بأن جزءاً من جمهور التنس والرياضة لن يتقبلني ويحبني نتيجة مواقفي وسلوكي، لكن على الأقل أنا على طبيعتي"، وتابع: " فيدرر هو الأكثر موهبة والأجمل للمشاهدة والأكثر كفاءة في صرف الطاقة. يتحرك ببطء شديد، أنيق للغاية، بينما نادال هو النقيض، اللياقة البدنية هي الحد الأقصى. أنا في مكان ما بينهما، لكني أميل أكثر لنادال. المنافسة معهما كان لها التأثير الأكبر على تطوري".
إصراره وتركيزه عملا كآلية دفاعية وفرت له حماية من محاباة الجمهور لفيدرر ونادال، ومن الشعور بأنه دخيل غير مرغوب به على إرثهما.
اليوم، يرى البعض بأنه تفوق على الجميع، فهو الوحيد الذي حقق نسبة فوز 85 في المئة فأكثر في كل بطولة من البطولات الكبرى، 80 في المئة فأكثر على مختلف أنواع الملاعب، 70 في المئة فأكثر في كل بطولة من بطولات الماسترز، فاز بكل بطولة من بطولات الـ "جراند سلام" 3 مرات فأكثر، وببطولات الماسترز كافة مرتين فأكثر.
الجيل الصاعد
التحدي الرياضي الجديد يتمثل في إعلانه الاستمرار حتى 2028 للدفاع عن ميداليته الذهبية في أولمبياد لوس أنجليس، رغم أن كثيرين تحدثوا عن اعتزاله.
يبدو مدفوعاً بمعنويات جبّارة بعدما نجح، في العام الجاري، ببلوغ دور الأربعة في البطولات الأربع الكبرى في إنجاز للاعب في سنه.
تصريحات ديوكوفيتش، بعد خروجه من نصف نهائي بطولة الولايات المتحدة، تُمثل اعترافاً بأن الجيل الصاعد أفضل منه، بعدما أكد أن الإسباني كارلوس ألكاراز والإيطالي يانيك سينر يلعبان بمستوى عالٍ للغاية.
وحول قدرتهما على الحلول مكان فيدرر ونادال، قال: "هما لاعبان استثنائيان، مذهلان. متأكد من أننا سنراهما في السنوات المقبلة كحاملين للواء التنس، لكن بالنسبة لي، فيدرر ونادال لا يمكن تعويضهما. جزء كبير مني ذهب معهما".
معلوم أن ألكاراز وسينر حققا في ما بينهما 10 ألقاب كبرى، 6 منها للإسباني الذي أحرزها وهو في سن الـ22 سنة و4 أشهر ويومين، فيما حقق فيدرر حتى تلك السن لقباً كبيراً واحداً، وكذلك ديوكوفيتش، بخلاف نادال الذي أحرز خمسة، الأمر الذي يعطي ألكاراز هامشاً كبيراً لتحطيم الرقم القياسي وتجاوز فيدرر (20 لقباً كبيرا)، نادال (22) وحتى "نوله".
البطل الثوري
ينطلق الحلم الأولمبي من عشق ديوكوفيتش لبلاده.
منذ سنوات وهو يعتبر رمزاً للفخر الوطني فيها وبطلاً يُحتفى به في وسائل الإعلام. كان الرئيس ألكسندر فوتشيتش يحرص على تهنئته مع كل انتصار، ويعتبره "أفضل سفير لصربيا في العالم". لكن الأمر تحول إلى هجوم منظم بعدما أعلن اللاعب دعمه للاحتجاجات الطلابية المطالِبة بانتخابات جديدة، ليتحول إلى متهم بـ"الخيانة" بالنسبة إلى البعض وإلى "بطل ثوري" بالنسبة إلى آخرين.
وبحسب صحافي صربي، استثمرت الحكومات المتعاقبة نجاحات الرياضيين لتعزيز شرعيتها، لكن حين يخرج بطل مثل نوفاك عن السردية الرسمية، يجري تحويله إلى "خائن" أو "لاعب عادي". وأضاف أن ما يثير غضب فوتشيتش هو انتشار دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي لترشيح ديوكوفيتش لرئاسة البلاد.
وفي خطوة أثارت صدمة، غادر اللاعب المخضرم صربيا برفقة عائلته ليستقر في اليونان، في ما وُصف، من قبل جهات عدة، بأنه "تحدٍّ صارخ"، وهروب من حملة اضطهاد سياسي.