لا يقلّ دور الحكم شأناً عن دور اللاعب أو المدرب في عالم كرة القدم. صافرة واحدة منه قد تغيّر مسار مباراة، بطولة، تاريخ.يقول الحكم الفرنسي الشاب فرانسوا لوتيكسييه: "رجل لا يقترف أخطاء؟ هذا مفهوم لا وجود له". في سن الـ 35، اختير أفضل حكم في العالم عن العام 2024 بحسب الاتحاد الدولي لتاريخ وإحصاءات كرة القدم، مجرّداً البولندي سيمون مارتشينياك من جائزة سيطر عليها في 2022 و2023. جاء ذلك تتويجاً لسنة شهدت قيادته المباراة النهائية لبطولة كأس أوروبا التي استضافتها ألمانيا وانتزع لقبها الإسبان. ثمة حنين للعب الأدوار الأولى تحكيمياً في فرنسا، خصوصاً أن آخر المتوّجين الفرنسيين بلقب الأفضل في العالم كان الحكم السابق ميشال فوترو (1988 و1989). جائزة لم يسبق لإسباني أن حصدها مذ أبصرت النور عام 1987، ورضخت للإيطالي الشهير بييرلويجي كولينا، الأكثر ظفراً بها (ست مرات على التوالي ابتداءً من 1998). ربما يُفضَّل أن تجري عملية التصويت لاختيار الحكم الأفضل من قبل اللاعبين. هؤلاء قادرون على قياس قدراته استناداً إلى احتكاكهم المباشر به، غير أن عملية الانتقاء قد تتأثر بالعاطفة أحياناً، وتحديداً بقرارات تحكيمية معينة أو خطأ عابر أو ردة فعل متسرعة. من جهته، لا يمانع لوتيكسييه أن يجري الاحتكام إلى اللاعبين في الاختيار بيد أنه يفضل أن توكل المهمة إلى الحكام: "عندما يقوم زملائي بالتصويت، فهم يكونون عالمين بصعوبة عملنا، تأثير الأخطاء التي قد ترتكب، والضغوطات اليومية الملقاة على عاتقنا. هذه الحقائق معلومة لدى الحكام أكثر منه لدى اللاعبين".أكثر وقعاًيعي لوتيكسييه، الذي يعمل أيضاً مأمور محكمة، بأن الرأي العام يميل نحو اعتبار خطأ الحكم أكثر وقعاً من خطأ اللاعب، بيد أنه يعارض هذا المنحى: "لا يجب علينا وضع اللاعب في برج عاجي. هو عرضة للانتقاد. عندما يحصل على تقييم سيئ من الإعلام بعد إحدى المباريات، فإن ذلك ينعكس سلباً على حياته الشخصية، أدائه، وثقته بالنفس. الحياة ليست وردية دائماً عندما يتعلق الأمر بلاعب كرة قدم"، ويتابع: "لست متأكداً تماماً من أن عواقب الأخطاء هي نفسها مع الحكم واللاعب. الفارق أن اللاعب ينتمي إلى مجموعة يحصل من خلالها على الحماية. أما نحن، فلدينا مهمة فردية في لعبة جماعية، وبالتالي نجد أنفسنا معرضين للانتقاد. الضوء لا يسلط علينا بالشكل نفسه الذي يطارد فيه اللاعبين". اعتاد لوتيكسييه نفسه، هو المتزوج ولديه طفل، التعرض لكثير من الانتقادات بسبب أسلوبه في التحكيم، علماً بأنه أصبح أصغر حكم في الدوري الفرنسي عام 2016، وأوضح: "انطلقت المسيرة في سن الـ 14. في البداية، لم يكن حلماً على الإطلاق أن أحقق مسيرة تحكيمية. كان الأمر يتعلق بأن أشعر بالسعادة في أرض الملعب خلال عطلة نهاية الأسبوع. مع مرور السنين، بدأت أؤمن أكثر بجعلها وظيفتي وبأن أصبح محترفاً". يضع أهدافاً محددة لتحقيقها في مسيرته بيد أنه لا يكشف عنها: "حتى الساعة، تسير الأمور بشكل مشجع. كأي رياضي، أنا مضطر لتحديد أهداف. هذا ما يحفزنا جميعاً. لا أضع سجلاً أسعى إلى تنفيذه. لا أعد نفسي بالسجل الأفضل في تاريخ التحكيم الفرنسي. لا يسكنني هذا الشعور. أود فقط تقديم الأفضل في الملعب، القيام بعملي، والاستمرار في مغامرتي الإنسانية مع مساعدِيّ (حكام الراية) الذين أمضيت معهم 9 سنوات حتى اليوم. سأنهي مسيرتي معهم في المباراة نفسها والملعب نفسه. هذه هي المغامرة التي تسكنني... وليس الكؤوس".سن المراهقةكان لوتيكسييه أحد عشاق اللاعب السابق، مواطنه زين الدين زيدان. احتفظ بصورة عملاقة له في غرفة نومه خلال سنوات المراهقة. بدأ مسيرته لاعباً قبل التحول إلى التحكيم: "كنت قلب دفاع. مدافع يقطع الهجمات ويصرخ قليلاً في وجه زملائه للعودة إلى الخط الخلفي خوفاً من استقبال هدف". لعبت الأقدار دوراً في مسيرته، إذ توقف قطار فرنسا في الـ "يورو" الأخير عند محطة الدور نصف النهائي، ما فتح الأبواب أمامه لقيادة النهائي بين إسبانيا وإنجلترا، وذلك بمناسبة أول بطولة أوروبية يشارك فيها: "أحاول التراجع دائماً وعدم المبالغة بالاحتفال لأنني على يقين بأن الأخطاء ستأتي. هي جزء من اللعبة. أود البقاء في إطار منطقي الخاص في الأداء والانتظام. أريد أيضاً الاستمرار في بذل الجهود اليومية في التمارين كي أؤدي دوري على أكمل وجه في المباريات. لسوء الحظ، أدرك بأنني سأستمر بارتكاب الأخطاء. أتمنى أن لا أفعل ذلك". يرى لوتيكسييه الذي يحتل المركز الأول في فرنسا على مستوى المردود المادي من عمله في كرة القدم حاصداً في الموسم 2023-2024 حوالي 270 ألف يورو، بأن الحكم متابَع بشكل جيد إعلامياً، بيد أن "بعض الإعلاميين يلعبون دوراً سلبياً نتيجة البحث الدائم وبطرق قد تكون ملتوية عن السبق الصحافي. هذا يضر بالتحكيم واللعبة على حدّ سواء". ولدى الدخول في صلب العملية التحكيمية، يؤكد لوتيكسييه الحاصل على الشارة الدولية عام 2017، رفضه فكرة إلغاء التسلل لتقليص أخطاء "قضاة الملاعب"، ويقول: "لم يعد هناك أخطاء في ما خصّ التسلل. هامش الخطأ اليوم هو أقل من 1 في المئة. هناك نظام التسلل شبه الآلي الذي يعمل بالمليمتر. لا مجال للخطأ". بدا في تصريحه هذا مناصراً لجدوى التكنولوجيا في عالم كرة القدم، علماً أن التحكيم يعيش تطوراً مطّرداً مع دخول تقنية حكم الفيديو المساعد "VAR" وغيرها. جرى الحديث أيضاً قبل سنوات عن دراسة خاصة تهدف إلى الاستغناء عن الحكام المساعدين (الراية) والاستعاضة عنهم بـ "رجال آليين". في هذه الحالة، سيصبح لوتيكسييه وزملاؤه (حكام الساحة) معزولين في الملعب ومرتبطين فقط بمنظومة ستحولهم من "قضاة ملاعب"... إلى رهائن لدى التكنولوجيا.