على الرغم من الأزمات المتلاحقة والحروب الشرسة التي يشهدها العالم حاليًا، نجحت قمّة الذكاء الاصطناعي الأخيرة في نيودلهي في خطف اهتمامات المجتمع الدولي في الأيام الماضية. فهذه القمّة لم تكن مجرّد لقاء تقني أو منتدى لتبادل الابتكارات، بل شكّلت لحظة كاشفة لتحوّل عميق في موازين القيادة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي. إذ لم يعد النقاش محصورًا بالخوارزميات والقدرات الحاسوبية، بل انتقل إلى أسئلة أكثر جوهرية تتعلّق بالحوكمة، والسيادة الرقمية، وأخلاقيات الاستخدام، ودور الدولة في توجيه هذا التحوّل غير المسبوق.
قمّة نيودلهي وتحول مفهوم القيادة في الذكاء الاصطناعي
في هذا السياق، تبرز ملامح نظام عالمي جديد للذكاء الاصطناعي، لا تقوده بالضرورة القوى التقليدية وحدها، بل تشارك في رسمه عواصم استطاعت أن تجمع بين الرؤية السياسية، والاستثمار الإستراتيجي، وبناء الإنسان، ووضع الأطر التنظيمية. ومن هنا، لم يكن الحضور الدولي المتزايد لنموذج دولة الإمارات العربية المتحدة في نقاشات القمّة أمرًا عابرًا، بل انعكاسًا لمسار متكامل بدأ منذ أعوام، ويزداد وضوحًا مع كل محطة دولية كبرى.
لقد أظهرت قمّة نيودلهي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد سباقًا تقنيًا محضًا، بل أصبح مشروعًا سياديًا متكاملًا، تُقاس فيه القوة بقدرة الدول على تأطير التكنولوجيا ضمن منظومة قيمية واضحة، وتنظيمها تشريعيًا، وتوظيفها في خدمة التنمية والاستقرار. وهو ما يطرح سؤالًا مركزيًا: أيّ العواصم قادرة على الانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع صانع المعايير والمؤثّر في قواعد اللعبة العالمية؟
من نيودلهي، حيث تلاقى صُنّاع القرار والخبراء لرسم ملامح المستقبل الرقمي، يبرز اسم أبوظبي كحالة خاصة في هذا المشهد العالمي المتحوّل. حالة لا تقوم على الطموح الخطابي أو الشعارات، بل على تراكم السياسات، وتكامل الرؤية، وربط الذكاء الاصطناعي بمشاريع الدولة، والاقتصاد، والتعليم، والأمن، وأخلاقيات الابتكار. ومن هنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام عاصمة جديدة للذكاء الاصطناعي تتشكّل بهدوء، ولكن بثبات؟
أبوظبي والانتقال من تبنّي التكنولوجيا إلى صناعة المعايير
عمليًا، يمكن رصد مجموعة من المؤشرات البنيوية الواضحة التي تعكس المسار الذي تسلكه العاصمة الإماراتية في هذا الاتجاه. وفي مقدّمة هذه المؤشرات، يبرز الرهان المبكر للقيادة في أبوظبي على نقل نموذج الحوكمة الذكية، الذي اشتهرت به الدولة، إلى فضاء الذكاء الاصطناعي. ويتجلّى ذلك في الإصرار الواضح على حوكمة هذه التكنولوجيا وإدماجها ضمن الرؤية الشاملة للدولة الشابة، لا بوصفها أداة تقنية منفصلة، بل باعتبارها رافعة سيادية للتنمية، وعنصرًا حاسمًا في تعزيز القدرة التنافسية الوطنية وصياغة موقع الدولة في النظام الدولي القادم.
فعلى أرض الواقع، تكشف الأرقام نجاح هذا النهج؛ إذ بلغت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الإمارات 97%، وهي من بين الأعلى عالميًا، فيما تجاوز عدد المبرمجين المتخصصين في هذا المجال 450 ألف مبرمج، ما يعكس وجود قاعدة بشرية تقنية واسعة وقادرة على الابتكار والإنتاج، ويؤكد أن البلاد تسير بخطى ثابتة نحو عصر الذكاء الاصطناعي.
إلى جانب ذلك، تبرز الاستثمارات الإماراتية الضخمة والممنهجة التي ضُخّت في البنية التحتية الرقمية، والبحث العلمي، وبناء الكفاءات الوطنية، بما يعكس انتقالًا مدروسًا من مرحلة التبنّي إلى مرحلة التمكين وصناعة القيمة. فقد تجاوزت الاستثمارات الوطنية في هذا المجال 543 مليار درهم (نحو 148 مليار دولار) خلال عامي 2024 و2025، بحسب ما أعلن وزير الدولة للذكاء الاصطناعي في الإمارات، عمر سلطان العلماء، بما في ذلك تمويل مشروعات إستراتيجية كبرى ومبادرات بعيدة المدى.
فالذكاء الاصطناعي في أبوظبي لم يعد مشروعًا مستقبليًا أو عنوانًا دعائيًا، بل أصبح جزءًا من الحاضر المؤسسي والاقتصادي، ومكوّنًا أساسيًا في تصميم السياسات العامة، وتحديث الإدارة، وتوجيه الاقتصاد نحو قطاعات المعرفة والابتكار. وهذا الحجم الاستثماري لا يعكس فقط طموحًا ماليًا، بل يكشف عن تماسك إستراتيجي في تخصيص الموارد ووضوح في الرؤية والأهداف طويلة الأمد التي سترسم مستقبل البلاد.
أما المؤشر الثالث، فيتجسّد في شبكة الشراكات الإستراتيجية الدولية التي نسجتها أبوظبي بوعي وتوازن، سواء عبر التعاون المتقدّم مع الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والابتكار، أو من خلال الشراكات الذكية مع الصين في تطوير البنى التحتية وحلول المدن الذكية، أو عبر التحالف الثلاثي المتنامي مع فرنسا والهند. وهو مسار يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التحوّلات الجارية في النظام التكنولوجي العالمي، وأهمية بناء توازنات معرفية متعددة الأقطاب في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو إعادة تشكيل مراكز النفوذ الرقمي وصياغة قواعده الجديدة.
الذكاء الاصطناعي كمشروع سيادي: رؤية إماراتية بعيدة المدى
في ضوء ما أفرزته قمّة نيودلهي، وما راكمته أبوظبي خلال الأعوام الأخيرة، يتّضح أن معركة الذكاء الاصطناعي المقبلة لن تُحسم بتفوّق تقني مجرّد، ولا بامتلاك الخوارزميات الأقوى فحسب، بل بقدرة الدول على تحويل هذه التكنولوجيا إلى مشروع سيادي متكامل، تحكمه الرؤية، وتؤطره القيم، وتدعمه المؤسسات، ويقوده الإنسان.
وهو ما ينسجم مع المقاربة التي عبّر عنها رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حين أكّد أن التكنولوجيا المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، يجب أن تكون في خدمة الإنسان، وأن تُوظَّف لتعزيز التنمية والاستقرار وجودة الحياة، لا بمعزل عن القيم والمسؤولية.
إن ما يميّز تجربة أبوظبي في هذا السياق ليس سرعة التقدّم فحسب، بل وضوح الاتجاه: من الاستثمار إلى الحوكمة، ومن الابتكار إلى التشريع، ومن الاستخدام إلى صناعة المعايير. وهي معادلة نادرة في عالم يشهد اندفاعًا تقنيًا غير مسبوق، غالبًا ما يسبق التفكير في العواقب والضوابط.
والأهم أن التصور الإماراتي لا يقدّم الذكاء الاصطناعي كغاية بحدّ ذاته، بل كأداة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا، على أساس التوازن بين الابتكار والمسؤولية، وبين السيادة الرقمية والانفتاح العالمي. ومن هنا، تبرز خصوصية تجربة أبوظبي، التي لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كموضة تقنية عابرة، بل كمكوّن بنيوي في مشروع الدولة ومستقبلها.
وبين نيودلهي، حيث تتبلور النقاشات العالمية حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، وأبوظبي، حيث تتراكم السياسات والاستثمارات والرؤى بهدوء وثبات، تتشكّل معادلة واضحة: عاصمة الذكاء الاصطناعي القادمة لن تُبنى بالصدفة، بل تُرسم بإرادة سياسية، وتُدار بعقل الدولة، وتُصاغ بمنطق المستقبل.
وهذا بالضبط ما تفعله أبو ظبي اليوم بحنكة وحكمة كبيرتين، من دون الالتفات إلى ضجيج السباقات السريعة، بل بالتركيز على بناء نموذج مستدام طويل الأمد يرسم معالم مستقبل أبو ظبي كعاصمة عالمية للذكاء الاصطناعي.