تستعد هياكل التشريع التونسي بغرفتيه (المجلس الوطني للجهات والأقاليم ومجلس نواب الشعب)، للانطلاق القريب في النقاش النيابي والتصويت والمصادقة على المخطط الوطني للتنمية 2026-2030.
ولعل أهم ما يمكن ملاحظته من خلال الأعمال التحضيرية على المستويين الوطني والمحلي، هو خروج المخطط التنموي ولأول مرة في التاريخ السياسي لتونس الحديثة من الإشراف الحصري للحكومة على رسم التوجهات، وتمريرها عبر استشارات شكلية تكون فيها الهياكل المحلية مجرد مكمل بروتوكولي للمشهد. أما في واقع الحال، فإن المخطط التنموي يصاغ أوليا في كل نطاق محلي منتخب عبر تشخيص احتياجات المنطقة ومشاريعها المستقبلية، ثم تمر هذه البرامج إلى المستوى الجهوي (المحافظة) للتأليف بينها وتعديلها، ومنها إلى المستوى الإقليمي (وقد تم توزيع ولايات تونس إداريا إلى 5 أقاليم)، لتمر لاحقاً إلى وزارة الاقتصاد للنظر وإبداء الملاحظات، ومن ثمّ إلى المجلس الوطني للجهات والأقاليم، ثم إلى مجلس النواب حيث يتولى المجلسان النقاش والتعديل والإضافة والمصادقة، وفي حال الاختلاف بين قراءتي المجلسين تعقد لجنة متناصفة بينهما لتوحيد الصيغ، أما إن تواصل الخلاف فإن المرسوم عدد 1 المنظم للعلاقة بين المجلسين ينص على إحالة النص المصادق عليه في مجلس الجهات والأقاليم إلى رئيس الجمهورية لإمضائه وختمه ونشره بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية.
توجهات وطنية عامة
هذا من حيث الصيغ، أما من حيث المضمون فإنّ المخطط الخماسي للتنمية ينبع في تصوراته الكبرى وخطوطه العريضة، من التوجهات الوطنية العامة المبوبة وفق أولوية ترسيخ العدالة الاجتماعية، والتوازن بين الجهات، وتطوير مشاريع البنية الأساسية، وتشجيع الاستثمار، وخلق فرص العمل، وقد أشار بلاغ رئاسة الجمهورية بتاريخ 7 يناير الجاري بمناسبة اجتماع الرئيس قيس سعيد برئيسة الحكومة ووزير الاقتصاد، إلى أبرز التوجهات الأولية للمخطط، بعد انعقاد 3671 جلسة محليًا وجهويًا وإقليميًا، حيث تبيّن أن أهم مشاغل المواطنين تتصل بالحد من التعقيدات الإدارية، وتطوير المؤسسات التربوية، وتشجيع الاستثمار المحلي، والتحكم في التوسع العمراني والحد من البناء الفوضوي، وتقليص البطالة وتطوير البنية الأساسية للطرقات والمسالك الريفية، وتحسين الخدمات العامة والمرافق المحلية، وبالإجمال تجدر الإشارة إلى أن هذا المسار غير التقليدي لرسم المقاربة التنموية الخماسية، هو تطبيق عملي للمشروع السياسي لمنظومة 25 يوليو، الذي راهن على مساهمة هياكل الحكم المحلي المنتخبة مباشرة من الشعب في القرار السياسي، بحيث ترسم توجهات الحكم من القاعدة إلى القمة وليس العكس، وهو ما يعدّ تجاوزًا لمرحلة طويلة دامت قرابة القرن من مركزية دور الوسائط الحزبية في رسم التوجهات والقرارات التنفيذية والهيمنة على المجالس المنتخبة، عبر أنظمة اقتراع على القائمات ترسخ النفوذ الحزبي على هياكل التشريع. وبالتأكيد ستشهد مناقشات المخطط التنموي الخماسي الحركية نفسها، والجدل والحماس الذي رافق النقاش النيابي لميزانية 2026، والتي شهدت إضافة فصول عديدة كرست مطالب جملة من القطاعات الاقتصادية، والفئات الاجتماعية والموظفين، والمتقاعدين وصغار الفلاحين، فكانت بالفعل أول الميزانيات التونسية التي لم تغرق في الصيغة الشكلانية المحاسبية على حساب تطلعات المواطنين. ومن الواضح أن القفزة النوعية التي تحققت بهذه التوجهات، التي كسرت قاعدة المشروطية التي فرضتها سابقًا تدخلات صندوق النقد الدولي، قد أفضت إلى نتائج ملموسة ليس أقلها رفع التجميد عن الانتداب في الوظيفة العمومية، وإقرار صيغ قانونية لانتداب خريجي الجامعات ممن طالت بطالتهم، وتسوية الوضعيات بالقضاء على كل أشكال التشغيل الهش.
والملاحظ أن ذلك قد تزامن مع تحسن ملموس للمؤشرات المالية والاقتصادية بارتفاع نسق الإنتاج والتصدير، ونزول نسبة التضخم إلى حدود 5% واستقرار الرصيد الوطني من العملة الصعبة، بالإضافة إلى انتعاش كبير للقطاع السياحي، وتطور لافت للإنتاج الفلاحي.
لم يكن قرار التعويل على الذات مجرد رد فعل على اشتراطات مجحفة من صندوق النقد الدولي، بل كان رؤية شاملة لإصلاح عميق ما يزال فعلًا في خطوات أولى متدرجة، لا تحجب المشاكل العالقة ولا التحديات الماثلة، لكنه بالمقابل يتسم بثبات مبدئي يوحي بنتائج ملموسة. فليس أصعب من إعادة البناء المتدرج بعدما شهده البلد من انهيارات سريعة على يد المنظومة الإخوانية الآفلة.