كان للحوار الذي أدلى به السفير الصيني لوكالة الأنباء التونسية الرسمية بتاريخ 23 مارس 2025 تأثير مهم في تنامي النقاش العام حول طبيعة ونسق العلاقات التونسية الصينية في الوقت الراهن. ويبدو أن المحتوى المضاف الذي تضمنه التصريح قد أبان فعلا عن منعرج جديد سينقل العلاقة بين البلدين من طور التعاون الذي تواصل من ستينيات القرن الماضي تاريخ إعلان إقامة العلاقات الدبلوماسية إلى طور الشراكة الإستراتيجية العميقة والمتأتية من قناعات مشتركة بضرورة تسريع نسق التبادل والمشاريع ذات المردودية الاقتصادية الملموسة.وأفاد سفير الصين في حواره المذكور أن شركة صينية متخصصة في مجال الإسمنت ستشتري مصنع إسمنت (قطاع خاص) بتونس بمبلغ يفوق 100 مليون دولار وهو المبلغ الأعلى للاستثمار الصيني المباشر في تونس خلال الأعوام الأخيرة. كما ذكر أن تقنيات حديثة ستخصص لتطوير مردودية هذا المصنع الإنتاجية. وقد أكدت جهات تونسية رسمية هذا الخبر بالإشارة إلى أن المصنع المذكور هو مصنع إسمنت جبل الوسط الذي كانت تديره شركة برتغالية. كما أعلن السفير الصيني الشروع الفعلي للأعمال التحضيرية لإنجاز مشروع جسر بنزرت بعد وصول أطنان من المواد الأولية الخاصة بالمشروع إلى الموانئ التونسية. هذا إضافة إلى المضي في إجراءات تجسيم برنامج تهيئة وتوسعة المدينة الرياضية بالمنزه، إلى جانب مشاريع أخرى واعدة كمستشفى علاج الأورام بقابس. وهذه في الواقع حزمة من المشاريع المعلنة من المنتظر أن تتعزز بخطوات أخرى نوعية، ناهيك أن الجانب الصيني سيكون أول المعنيين بالدخول على خط التمويل والشراكة في بناء مدينة الأغالبة الصحية بجهة القيروان وهو مشروع عملاق يستهدف بناء مجمّع صحي وتعليمي وسكني سيشكل في أفق السنوات القادمة منجزا اقتصاديا وخدماتيا وتشغيليا فائق القيمة بالنسبة للتونسيين. أي خلفية لتطور الشراكة؟ من الطبيعي أن تتواتر التساؤلات وطنيا وإقليميا ودوليا حول خلفية تحول تونس الشريك التقليدي المعروف للسوق الأوروبية إلى مدار علائقي أكثر تميزا مع الصين. ومهم هنا أن توضع النقاط على الحروف، حتى لا نقع في شراك التقييمات السياسوية الصرفة للمسألة ومنها الذهاب إلى أن تونس قد غيرت مسارها تماما نحو الصين واقتربت من سردية الانحياز المحوري الكلاسيكي (شرق غرب) بمفهوم الحرب الباردة التي تجاوزها الزمن. الأكيد أن تونس بعد 25 يوليو قد أعادت تعريف خارطة علاقاتها الدولية بما يعزّز مفهوم السيادة الوطنية ورفض التبعية للمحاور والأحلاف، وهذه مسألة بيّنة في الخطاب الرسمي كما في الممارسة الدبلوماسية، لكن لا يوجد مؤشر واحد يحيل إلى تنصل البلد من دائرة شراكاته التقليدية المتعارفة سواء مع الاتحاد الأوروبي أو مع سائر الدول التي يرتبط معها باتفاقات تعاون ثنائي ومتعدد الأطراف. وهذا يعني أن نبحث عن خلفية الشراكة التونسية الصينية خارج التصنيف والتنميط المتعارف. أولا أن هذه الخطوة الإيجابية نحو الصين تأتت عن قناعة تونسية بجدوى التعاطي مع عالم متعدّد الأقطاب ومع متغيرات دولية اقتصادية قدّمت للدول النامية عموما إمكانيات شراكة أوسع وبحث أكثر عن الميزات التفاضلية أيا كان الشريك الذي يتيحها.وفي المثال الصيني تحديدا، هناك بوادر مشجعة لا فقط من حيث القيمة الإستراتيجية الضخمة لهذا القطب الاقتصادي بل أيضا من خلال تميزه في أهم المجالات التي تحتاجها تونس اليوم وهو مجال البنية الأساسية والمشاريع الكبرى ذات المردودية الإنتاجية والتشغيلية. ويذكر هنا أن تجارب التعاون السابقة مع الجانب الصيني على قلّتها قد تركت انطباعات إيجابية، على غرار إنجاز الصين لبناء حزام لحماية صفاقس من الفيضانات منذ ثمانينيات القرن الماضي.وينتظر اليوم أن تتسارع خطى الشراكة بالإعلان عن استعداد عديد الشركات الصينية للاستثمار في تونس في مجالات واعدة كالموانىء والطاقة والنقل، وهو ما يعني تجسيما عمليا لما تم إبرامه من تفاهمات بدأت أوليا في 2018 بتوقيع مذكرة التفاهم للبناء المشترك في إطار مبادرة الحزام والطريق، ثم تجسرت أكثر بعد تثبيت مسار 25 يوليو 2021، وتوجت في مايو 2024 بمحادثة مهمة بين الرئيسين التونسي قيس سعيد والصيني شي جين بينغ بمناسبة انعقاد منتدى التعاون الصيني - العربي، حيث تم إعلان انطلاق طور متقدم من الشراكة التونسية الصينية. ومما يدعم إمكانيات تقدم هذه الشراكة هو تناغم التوجهات، حيث لم تخف الصين دعمها الواضح للتدابير التي اتخذتها تونس للإصلاح وحماية السيادة واستكمال مسارها التنموي المناسب حسب ظروفها الوطنية. وبالمجمل تتموقع تونس الآن ضمن مدار دبلوماسي منفتح على الجميع وفق معايير الندية وتبادل المنافع، وما إقبالها على تجسير العلاقة مع الصين إلا بحث عن رافد شراكة واعدة بدأت تثبت نجاعة واضحة منذ تفعيل مبادرة الحزام والطريق التي منحت الصين مكانا متقدما في المسارات الاقتصادية للقارة الإفريقية، هذه القارة التي بدأت تخرج من مخلفات الامتياز الاقتصادي الحصري لقوى الاستعمار القديم وبدأت تتحسس طريقا جديدا يخلصها من عقود التجويع ونهب الثروات.