استلزمت المهمة 14 عاما، تحديدا منذ 2011، تاريخ استحواذ شركة قطر للاستثمارات الرياضية على نادي باريس سان جيرمان الفرنسي الذي بات، أخيرا، بطلا لدوري أبطال أوروبا في كرة القدم.
قد يكون لقبا عابرا بالنسبة إلى كثيرين، إلا أنه ليس كذلك في نظر الباحثين عن سر تتويج جاء بعد عمل وصبر وملايين صُرفت على "مذبح اللقب القاري".
ساد اعتقاد بأن خَطبَ ود الكأس ذات الأذنين يشترط تشكيلة من نجوم الصف الأول بقيادة مدرب يجمع بين التقليدي والحداثة.
استقدم "سان جيرمان"، الذي أبصر النور عام 1970، عددا هائلا من النجوم، منذ قدوم المالك القطري، سعيا لزعامة محلية ترسخت سريعا، وزعامة أوروبية تأخرت كثيرا.
حرص في بداية "المشروع" على نيل توقيع نجم من الصف الأول لبناء الفريق من حوله، والاستعانة بمدرب قادر على إيجاد توليفة كفيلة بقيادة النادي إلى المجد القاري.
في 12 موسما سبقت تتويج السبت، بلغ "بي إس جي" دور الـ16 في 5 مناسبات، ربع النهائي في 4، نصف النهائي مرتين، والنهائي مرة عام 2020 عندما سقط أمام بايرن ميونخ الألماني رغم ضمه البرازيلي نيمار دا سيلفا، والأرجنتيني أنخيل دي ماريا، والفرنسي كيليان مبابي.
هذا النهائي أعطى مؤشرا إلى أن تكديس النجوم قد يجدي نفعا يوما ما، بعدما لامس الفريق الباريسي "العرش".
تعززت الفكرة بوصول الأرجنتيني ليونيل ميسي أملا في أداء الخطوة الناقصة على منصة التتويج. تعثر جديد.
"الثلاثي الذهبي"
ساد اعتقاد بأن رئيس النادي القطري ناصر الخليفي سيرمي المنديل بعد فشل "الثلاثي الذهبي".
كان لا بد من تغيير. بقي مبابي بمفرده، في الموسم الماضي، بعد رحيل "الكبار" كافة. كان منوطا به أداء المهمة. بدا كأنه "غير قابل للصرف"، في الموسم الأول للمدرب الإسباني لويس إنريكي.
استمرت السطوة المحلية بقيادة مبابي في الموسم قبل المنتهي. ثم رحل إلى ريال مدريد الإسباني بحثا عن لقب أوروبي وعن "كرة ذهبية" استعصيا عليه.
خُيّل للجميع، مع انطلاق الموسم المنتهي، أن "سان جيرمان" بات يتيما بلا نجمه الأول.
مع مرور الأشهر، وضح جليا بأن التغيير تم على مستوى العقلية وليس على صعيد العديد.
عمل إنريكي بهدوء. تخلى عن عناصر فائضة. آمن بالشباب. وثق بقيادة البرازيلي ماركينيوس (31 عاما). عزز كتيبته خلال "الانتقالات الشتوية" بالجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا من نابولي الإيطالي. عرف كيف يعيد "المشاغب" عثمان ديمبيلي إلى مستواه.
أعطى انطباعا بأنه في طور البناء خصوصا عندما كاد فريقه أن يودع دوري الأبطال من دور المجموعة الموحدة لولا الفوز الدراماتيكي على "سيتي".
ترسخت فكرة "المشروع الجديد" من خلال الخليفي، الذي قال عقب التتويج: "حتى لو خرج الفريق من مرحلة دوري المجموعة الموحدة، كان النادي سيكمل مشروعه الطموح ومع المدرب لويس إنريكي. والأهم الآن أن لدينا نجوما يلعبون للفريق وليس فريقٌ يلعب للنجم".
عنصر الشباب
"المشروع الجديد" قائم على عنصر الشباب الطاغي. كان لافتا أن يقر الخليفي بشجاعة بأن "النجم الأوحد" ما عاد يجدي نفعًا. لم يرد توجيه رسالة مبطنة إلى مبابي. كان يتحدث عن تجربة أفضت إلى ضرورة اعتماد منظومة، وليس الاعتماد على لاعب.
أخذ "سان جيرمان" في تقديم فكر المدرب أداءً راقيا في "المستطيل الأخضر". لم يكتفِ بالفوز، بل أصر على الإقناع من خلال الاستحواذ وحرمان الخصم من الكرة. وعندما يحصل عليها الأخير، يظهر الدفاع المتين والحارس الإيطالي جانلويغي دوناروما الذي أثبت أن انتقاله من ميلان إلى العاصمة الباريسية كان قرارا صائبا.
معدل أعمار لاعبي "سان جيرمان" يتراوح بين 24 و25 عاما، واحد من أصغر المعدلات في تاريخ "الأبطال". دلالة واضحة على أن سياسة النادي تبدلت.
السؤال الذي يفرض نفسه: أما كان من الأجدى اعتماد هذه السياسة منذ بداية المشروع؟ تأتي الإجابة بالسلب لأن دوري الأبطال بطولة معقدة تشكل مطمعا لـ"كبار القارة". لم تكن يوما ساحة للتجارب بل ساحة حرب فعلية تحتاج إلى تشكيلة متجانسة، مدرب بكفاءة عالية، وبعض الحظ.
يستأهل إنريكي التصفيق لأنه بنى حلمه بعناية وحققه من دون "جميل مبابي"، لذا كسب احترام الجميع، فصُبغ اللقب باسمه.
سخرية القدر
مبابي ترك "باريس" متجها إلى ريال مدريد الإسباني ليفوز بالكأس الأوروبية. لسخرية القدر، توج "سان جيرمان" فور رحيله.
أكد الخليفي أن "الإنجاز هو نتاج مجهود استمر 14 عاما، وهو ما تمت ترجمته بنتيجة كبيرة تحققت بالفوز بخماسية (على إنتر)، وهو أكبر فوز في نهائي دوري الأبطال، كما أن سان جيرمان هو ثاني أصغر فريق يصل إلى النهائي، ما يدل على أن المشروع يسير في الطريق السليم".
نجم النهائي كان ديزيريه دوي ابن الـ19 عاما و363 يوما. حصل على العلامة الكاملة في مواقع وصحف عدة (10 من 10) في ضوء أدائه الملفت. بات أصغر من يسجل ويصنع في النهائي في تاريخ "الأبطال"، وهو أصغر من يسجل هدفين في النهائي. دوي عكس صورة "سان جيرمان الجديد" الذي ارتفعت القيمة السوقية الإجمالية لتشكيلته إلى 1.1 مليار يورو بعيد التتويج.
عبقرية فليك
أنهى "سان جيرمان" دور المجموعة الموحدة في المركز 15. كان لزاما عليه خوض الملحق أمام مواطنه بريست. تجاوزه بسهولة قبل أن يصطدم بليفربول الإنجليزي في دور الـ16 ويتخطاه بركلات الترجيح ومواطنه أستون فيلا في ربع النهائي وأرسنال اللندني في نصف النهائي.
النادي يجني الأرباح بعدما كان عنوانا للبذخ. حصل بصفته البطل على أكثر من 22 مليون يورو من تراكم مبارياته، علما بأن المردود العام قد يدر عليه عائدات قياسية تصل إلى حدود 144.5 مليون يورو.
ربما ساهم إنتر في تتويج الباريسيين عبر إقصاء برشلونة الإسباني العائد بقوة في نصف النهائي، لكن من قال بأن "سان جيرمان" كان ليستسلم أمام عبقرية الألماني هانسي فليك؟
هو اللقب الثاني في "الأبطال" لإنريكي (سادس مدرب يتوج مع فريقين بعد برشلونة في 2015)، والثلاثية الثانية (الوحيد مع غوارديولا يحققها مرتين).
فاز بالمباريات النهائية الـ11 كافة التي خاضها كمدرب. هذا يعني بأنه يدرك كيفية قراءة هذه النوعية من المواجهات.
لغة الأرقام كانت حاضرة للحديث عن تتويج "سان جيرمان" وخسارة إنتر.
قبل 32 عاما، استضافت ميونخ ("أولمبيا شتاديون") النهائي الأول بين فريقين من فرنسا (مرسيليا) وإيطاليا (ميلان)، فتوج الأول. وفي 2025، استضافت ميونخ ("أليانز أرينا") النهائي الثاني بين فريقين من فرنسا (سان جيرمان) وإيطاليا (إنتر)، وفاز الأول محققا اللقب الثاني لبلاده.
5 فرق توجت بباكورة ألقابها عندما خاضت النهائي في ميونخ هي نوتنغهام الإنجليزي (1979)، مرسيليا (1993)، دورتموند الألماني (1997)، تشيلسي الإنجليزي (2012) و"سان جيرمان" (2025).
كان لافتا أنه في كل مرة يتوج فيها توتنهام بلقب الدوري الأوروبي، فإن فريقا إيطاليا يُهزم في نهائي "الأبطال". حصل ذلك في 1972 (خسر إنتر أمام أياكس الهولندي) و1984 (خسر روما أمام ليفربول) و2025 (خسر إنتر أمام "سان جيرمان").
عصر الـ"غالاكتيكوس"
بنى ريال مدريد بقيادة الرئيس فلورنتينو بيريز، فريقا من نجوم الصف الأول في مطلع الألفية، عُرفت فترته بعصر الـ"غالاكتيكوس". الفرنسي زين الدين زيدان، الإنجليزي ديفيد بيكهام، البرازيليان رونالدو وروبرتو كارلوس، البرتغالي لويس فيغو، الإسبانيان راوول غونزاليس وإيكر كاسياس. لم يكن ممكنًا توقع سقوطهم، غير أنهم عجزوا عن تحقيق المجد القاري.
أثبتت هذه الإستراتيجية فشلها.
فكرة تكديس النجوم تكررت في باريس سان جيرمان. فشلت فشلا مريعا. في المقابل، أثبتت "المنظومة" جدواها.
مانشستر سيتي الإنجليزي، لم يتّبع هذه السياسة بل ضم إلى صفوفه ما كان يحتاجه من لاعبين، من دون فائض. انتزع "الزعامة الأوروبية" في 2023 بعد عمل جدي ابتداءً من عام 2008، تاريخ شراء النادي من قبل مجموعة أبو ظبي المتحدة.
تعلم باريس سان جيرمان الدرس على أيدي إنريكي. درس يؤكد بأن اللاعبين قد يتحررون من سطوة النجم الأوحد ويحولون قدراتهم إلى أرضية للتعبير من خلالها عن أنفسهم بشكل أكبر.
المهم أن "حديقة الأمراء" استقبلت على مائدتها كأسا تمنعت عنها كثيرا قبل أن تستسلم لشبابها وحنكة مدربها.