تعيش الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم واحدةً من أكثر اللحظات حرجًا منذ وصول النظام إلى السلطة عام 1979؛ لحظة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية البنيوية مع الضغوط الخارجية المتصاعدة، خصوصًا الهجماتِ الإسرائيليةِ والأميركية الآنية عليها. وهي لحظةٌ كاشفةٌ لكلفة خياراتٍ إستراتيجيةٍ راكمها النظام على مدى أكثر من 4 عقود، وأوصلت الدولة والمجتمع إلى حافة اختناقٍ سياسيٍّ واقتصادي وأمني.
ولعل من المفيد، في هذه المرحلة المفصلية التي قد تكتب فصلًا جديدًا في التاريخ الإيراني الحديث، التوقف مليًا عند ما يمكن وصفه بـ"خطايا" النظام الإيراني التي أوصلت هذا البلد الغني والإستراتيجي إلى هذا المأزق. خصوصا وأن هذا النظام حكم البلاد بيدٍ من حديدٍ ونارٍ منذ إسقاط حكم الشاه محمد رضا بهلوي في 11 فبراير 1979، وإنهاء قرون من الحكم الشاهنشاهي، وحتى كتابة هذه السطور.
من حلم الدولة الحديثة إلى واقع النظام المغلق
قد تكمن أبرز خطايا النظام الإيراني في فشل عملية بناء الدولة. فعندما سقط حكم الشاه، حلم الإيرانيون بقيام دولةٍ وطنيةٍ حديثةٍ تقوم على العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، واحترام كرامة المواطن، دولة تكون نقيضًا لما عاشوه من قمع وفقر وغياب تنمية. وكانت تطلعاتهم، في جوهرها، بسيطةً ومشروعةً، وقد علّقوا آمالهم على السلطة الدينية الجديدة لتحقيقها.
غير أن المسار الذي سلكه النظام، رغم الوعود الكبيرة والشعارات الثورية، قاد إلى نقيض تلك الأحلام. إذ سرعان ما استفاق الإيرانيون على نظامٍ سلطويٍّ مغلق، تحكمه بنيةٌ أيديولوجية–طائفية، وتسيطر عليه شبكات نفوذ غير خاضعةٍ لأي مساءلةٍ حقيقية.
بل يمكن القول إن الدولة الإيرانية الوليدة أصبحت، في جوانب عديدة، أكثر انغلاقًا وقمعًا من دولة الشاه؛ إذ جرى قمع الأحلام، ومصادرة الحريات، وفي مقدمتها حرية المرأة، وإغلاق البلاد سياسيًا وثقافيًا. هذه التحولات الدراماتيكية خلقت أزمةَ هويةٍ عميقة، بين هويةٍ أيديولوجيةٍ متشددةٍ يفرضها النظام، وهويةٍ وطنيةٍ تاريخيةٍ ومتنوعةٍ للشعب الإيراني. هذا الالتباس البنيوي أفرز ازدواجيةً في القرار، وتناقضًا في الأولويات، وأضعف مناعة الدولة أمام الأزمات، وحوّل مؤسساتها إلى أدوات قمعٍ وضبطٍ بدلا من أن تكون أدوات خدمةٍ وتنمية.
الخطيئة الثانية تمثلت في إخضاع الاقتصاد الإيراني لمنطقٍ أيديولوجيٍّ وأمني. فبدلا من الاستثمار في التنمية المستدامة، والتعليم، والبحث العلمي، والبنية التحتية، جرى توجيه الموارد نحو مؤسساتٍ موازيةٍ وشبكات نفوذٍ داخليةٍ وخارجية مرتبطةٍ مباشرة بمراكز قرار غير منتخبة.
والمفارقة أن إيران دولةٌ تاريخيةٌ وغنية، تمتلك احتياطياتٍ ضخمةً من النفط والغاز، وطاقاتٍ بشريةً هائلةً تؤهلها لأن تكون من الدول المتقدمة والمستقرة. غير أن عوائد هذه الثروات لم تُوظَّف للنهوض بالبلاد، بل جرى تحويل جزءٍ كبيرٍ منها إلى الخارج تحت شعار "تصدير الثورة" ودعم الأذرع الإقليمية، ما أدى عمليًا إلى تفقير الداخل، فضلًا عن استجلاب عقوباتٍ دوليةٍ خانقةٍ شلّت الاقتصاد.
صحيح أن العقوبات فاقمت الأزمة، لكن جوهر المعضلة يبقى في سوء الإدارة، وغياب الشفافية، وتغوّل المؤسسات غير الخاضعة للمساءلة على مفاصل الاقتصاد الوطني. وكانت النتيجة واضحة: تدهور مستوى المعيشة، تفشي البطالة، تآكل الطبقة الوسطى، وتحميل المواطن الإيراني كلفة خياراتٍ إستراتيجيةٍ لم يشارك يومًا في صنعها.
القوة التخريبية بدلا من القوة الدفاعية
كان من المفترض، منطقيًا وإستراتيجيًا، أن يستثمر النظام الإيراني في بناء قوةٍ دفاعيةٍ وطنيةٍ حديثةٍ قادرةٍ على حماية التراب الإيراني وردع أي تهديدٍ خارجي. إلا أن الخطيئة الثالثة تمثلت في الاستثمار المفرط في أدواتٍ تخريبيةٍ على حساب بناء منظومةٍ دفاعيةٍ متكاملة.
فبدلا من تطوير سلاح جوي دفاعي، ومنظومات حماية فعالة للبنية التحتية والمدن، جرى توجيه الموارد نحو الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وبناء أذرع عسكرية خارج الحدود. هذا الخيار جعل إيران تمتلك قوة تخريبية قادرة على التهويل والتشويش وخلق أزمات إقليمية مؤقتة من خلال قطع الممرات المائية والأجواء المدنية لفترة وجيزة، من دون أن يمنحها قدرة ردع حقيقية ولا حماية ذاتية فعالة.
وقد كشفت التطورات العسكرية الأخيرة هشاشة هذا الخيار، حيث بدت إيران عاجزة عن منع اختراق أجوائها أو حماية منشآتها الحيوية أو قياداتها العسكرية والأمنية البارزة وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي من الاستهداف، في مواجهة عمليات دقيقة نفذتها اسرائيل والولايات المتحدة، ما أعاد طرح السؤال الجوهري: أين ذهبت كل هذه الاستثمارات العسكرية؟
معاداة دول الخليج.. وتصفير الأصدقاء
أما الخطيئة الأعمق في مسلسل الخطايا، فتكمن في السياسة العدائية المزمنة وغير المبررة تجاه الجيران الخليجيين. فمنذ نشأته، تعامل النظام الإيراني مع محيطه الخليجي بوصفه تهديدًا لا شريكًا، وسعى إلى تقويض أمنه بدلا من بناء علاقات تعاون واستقرار.
لقد شكّل النموذج الخليجي، بما يحمله من استقرار، وازدهار، وحداثة، إحراجًا عميقًا للنظام الإيراني، وطرح سؤالًا داخليًا مؤلمًا: لماذا لا تكون إيران مثل جيرانها؟
وعلى الرغم من ذلك، مدّت دول الخليج أياديها مرارًا لاحتواء النظام الإيراني وتثبيت الاستقرار الإقليمي، بل سعت في مراحل متعددة إلى تجنيب إيران شبح المواجهة العسكرية وفتح قنوات تفاوض لها مع واشنطن. فإن النتيجة كانت خطيئة جديدة لا تُغتفر، تمثلت في توجيه رسائل عسكرية وسياسية عدائية نحو العواصم الخليجية في لحظات إقليمية شديدة الحساسية.
وفي هذا السياق، أصاب المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، الدكتور أنور قرقاش حين قال "العدوان الإيراني على دول الخليج أخطأ العنوان، وعزل إيران في لحظتها الحرجة. حربكم ليست مع جيرانكم، وبهذا التصعيد تؤكدون رواية من يرى أن إيران مصدر الخطر الرئيسي للمنطقة، وأن برنامجها الصاروخي عنوانٌ دائم لعدم الاستقرار".
في المحصلة، ما تعيشه الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم لا يمكن اختزاله في ضغوط خارجية أو مواجهات عسكرية ظرفية، بل هو نتيجة طبيعية لتراكم خطايا إستراتيجية في بناء الدولة، وإدارة الاقتصاد، وصياغة العقيدة العسكرية، والتعامل مع الجوار. لقد اختار النظام الإيراني، منذ نشأته، أن يحكم بمنطق العقيدة لا بمنطق الدولة، وبمنطق الصراع لا بمنطق المصلحة، وبمنطق الهيمنة لا بمنطق الشراكة، ليجد نفسه اليوم معزولًا، فاقدًا لأي عمق سياسي أو تعاطف إقليمي حقيقي.
والتاريخ، في تجاربه القاسية، يثبت أن الأنظمة لا تسقط حين تُستهدف من الخارج فحسب، بل حين تفقد قدرتها على الإصغاء إلى شعوبها، وتُصرّ على إعادة إنتاج أخطائها، وترفض الاعتراف بأن زمن الشعارات قد انتهى.
إيران اليوم أمام لحظة مفصلية: إما مراجعة جذرية تعيد الاعتبار للدولة الوطنية ومصالح المواطن وحسن الجوار، أو استمرار في مسارٍ لن يقود إلا إلى مزيد من العزلة والاستنزاف والانكشاف.
تلك ليست نبوءة سياسية، بل خلاصة درس تاريخي متكرر.