هل هي من باب المصادفة أن تكون طائفة الموحدين الدروز موزَّعة جغرافيًا، وتاريخيًا، على مثلث لبنان وسوريا وإسرائيل؟
وهل هي من باب المصادفة، أنه حين تُمس الطائفة في ضلعٍ، يتحرك الضلعان الآخران؟
وهل هي من باب المصادفة، أنه حين تقع حادثة ما يُستحضَر التاريخ ورجالات تلك الطائفة.
طائفة الموحدين الدروز عند منعطف خطِر، تتنازعها الدول، بين دولةٍ تحاول تطويعها، وأخرى تحاول استمالتها، فأين تقف اليوم؟
منذ وصول الرئيس أحمد الشرع إلى حكم سوريا، بعد سقوط الرئيس بشار الأسد ونظامه، حتى طُرِحَت مباشرة "قضية" الأقليات في سوريا، من الأقلية العلوية التي حكمت سوريا على مدى أكثر من نصف قرن، وابتكر الرئيس الراحل حافظ الأسد شعارًا "ذكيًا" لحكمه، وهو " حُكمُ الأقلية بشعار الأكثرية"، فكان "حزب البعث" المظلَّة الحديدية للنظام.
ما إن انعتقت سوريا من نظام البعث، حتى بدأت كل اقلية تفتِّش عن ذاتها وتنفض الغبار عن هويتها وشخصيتها:
- العلويون "استفاقوا" على كونهم أقلية، فكان تحرك في الساحل، لكن كان تحركًا غير مستندٍ إلى "عمقٍ" داعم، فدفعوا ثمن سرعتهم ، وثمة مَن يتحدث عن "تسرعهم" في التحرك، واستطاع الرئيس أحمد الشرع ضرب ما أسماه "تمرد الساحل".
- الدروز في محافظة السويداء راقبوا ما جرى في الساحل السوري، لاستخلاص العبر.
إسرائيل، بدورها، قرأت أنّ الفرصة سانحة للتقرب والتودد من دروز السويداء، وكانت هذه الخطة هدفًا إستراتيجيًا لكل الحكومات المتعاقبة في الدولة العبرية.
يذكر الجميع أنه حين أصيب ملعب لكرة القدم في مجل شمس، في حرب "الإسناد والمشاغلة" بين "حزب الله" وإسرائيل، سقط صاروخ في الملعب، نفى "حزب الله" مسؤوليته، كذلك إسرائيل، أحدثت الحادثة غضبًا لدى الدروز خصوصًا أنّ الضحايا من الأولاد الذين كانوا في الملعب، كانوا من الدروز. رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو زار المنطقة شخصيًا، مقدمًا التعازي.
الدروز في الجبل خط أحمر
الدروز في إسرائيل من الأقليات التي انخرطت في المجتمع الإسرائيلي، ومن الأقليات التي انخرطت في الجيش الإسرائيلي، وبين أبنائها مَن وصلوا إلى مراتب عليا في الجيش الإسرائيلي وفي وحدات النخبة فيه، وأبرزها لواء "غولاني".
كما تدخلت إسرائيل لحماية الدروز في السويداء، وصولًا إلى قصف مقر قيادة الأركان في الجيش السوري في العاصمة دمشق. هكذا فعلت، ولو بنسبة أقل في لبنان منذ 43 عامًا في لبنان، وتحديدًا إثر الإجتياح الإسرائيلي عام 1982، والذي وصل إلى العاصمة بيروت مرورًا بجبل الشوف، وكان للجيش الاسرائيلي مرور في بلدة المختارة حيث قصر الزعيم وليد جنبلاط، فكانت رسالة إلى مَن يعنيهم الأمر، أنّ الدروز في الجبل خط أحمر، لكنّ هذا التقارب أبقى وليد جنبلاط على مسافةٍ منهم.
اليوم، وبعدما ثبَّت الرئيس أحمد الشرع حكمه في دمشق، بدأ التقارب معه. وليد جنبلاط زار الشرع في قصر الشعب على رأس وفد ديني وحزبي وسياسي، وبالتزامن أميط اللثام عن محاضر اللقاءات بين الرئيس الراحل حافظ الأسد والزعيم الراحل كمال جنبلاط، وهذه المحاضر عن اللقاءات التي شهدها قصر المهاجرين، إبان "حرب السنتين" والتي سبقت أغتيال كمال جنبلاط بسنة تقريبًا، والذي اتُهِم فيها الرئيس الأسد بأنه اتخذ القرار باغتيال جنبلاط.
حراس لحدود إسرائيل
أحداث السويداء لم تأتِ من فراغ، أو كما يقال: "ليست صاعقة في سماء صافية"، بل لها ما سبقها:
بدأت القصة في 12 يوليو، في المحادثات خلال زيارة الرئيس السوري إلى أذربيجان، الموقف الإسرائيلي المعادي لسوريا جاء نتيجة عدم استجابة حكومة الشرع للمطالب الإسرائيلية التي تتجاوز التنازل عن الجولان، فما تريده إسرائيل ليس فقط التخلي عن الجولان، وإنما تريد إجبار الحكومة السورية على الإقرار بأنّ منطقة الجنوب السوري هي منطقة منزوعة السلاح.
حكومة نتانياهو تريد أن يتحول سكان الجنوب السوري بما فيها السويداء والقنيطرة ودرعا، إلى ما يشبه حراسا لحدود إسرائيل، لكنّ هذه الأهداف دونها عقبات.
في الخلاصة، يتصارع التاريخ والحاضر والمستقبل على أرض السويداء، فماذا ستكون؟ تبقى محافظة سورية؟ أم ماذا؟ لا يستطيع الرئيس الشرع أن يتساهل بالتفريط بالجغرافيا.