بعد سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر العام الماضي وتولي "هيئة تحرير الشام" والفصائل المقاتلة الأخرى الحكم في دمشق وتنصيب أحمد الشرع يوم 29 يناير "يوم النصر" رئيساً للجمهورية العربية السورية لفترة انتقالية، بدأنا نسمع نغمة غربية جديدة تقول بأن رفع العقوبات عن سوريا لن يكون تلقائياً، وعلى الرغم من تباين المطالب الأوروبية والأميركية إلا أنها تتقاطع في نقاط عدة.المطالب الأميركية تتمثل في العثور على الصحفي الأميركي أوستن تايس وتدمير ما تبقى من السلاح الكيماوي، ومحاربة الإرهاب، وعدم تشكيل سوريا تهديداً لدول الجوار، إضافة إلى تشكيل حكومة تمثل كل المكونات في سوريا، حتى إن مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط باربرا ليف التي ترأست الوفد إلى دمشق في 20 يناير الماضي قالت إن "إجراءات واشنطن المحتملة تجاه هيئة تحرير الشام والإدارة الجديدة في سوريا ستُحددها الأفعال على الأرض وليس الأقوال".القواعد الروسيةأما المطالب الأوروبية فقد أعلنتها وزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك صراحة خلال زيارتها الأولى إلى سوريا في 3 يناير برفقة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو وهي إنهاء وجود القواعد العسكرية الروسية في سوريا ومحاربة الإرهاب وعقد مؤتمر حوار وطني شامل ينتج عنه تشكيل حكومة جامعة لكل أطياف الشعب السوري، إضافة إلى كتابة دستور سوري يؤسس لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وقيام دولة مدنية ديمقراطية تضمن حقوق جميع المواطنين، ما يؤدي في النهاية إلى استقرار سوريا وعودة اللاجئين.ربما توقّع كثيرون أن ترفع الولايات المتحدة جميع العقوبات عن سوريا بمجرد سقوط النظام السابق لكنها بدت مترددة في خطواتها فلم توقف العمل بقانون "قيصر" أو قانون "محاسبة سوريا" أو القوانين الأخرى التي سُنّت ضد سوريا سابقاً أو رفع العقوبات عن البنك المركزي وإعادة سوريا إلى نظام "سوفت" ما يسمح بتدفق الأموال وبدء إعادة الإعمار، ومن هنا يقول الأوروبيون إن خطواتهم التي قاموا بها تجاه سوريا من تخفيف للعقوبات لن تكلل بالنجاح ما لم تقم الولايات المتحدة برفع كامل للعقوبات عن سوريا.ويعلل آخرون بأن ما حدث في الساحل من مجازر بحق المدنيين على أيدي فصائل غير منضبطة جعل الغرب يتردد في خطواته ويزيد من طلباته لدمشق لا بل يشترط تطبيقها كإخلاء سوريا من المقاتلين الأجانب وعدم توليهم أي منصب.الدولة الدينيةفي حين يرى بعضهم أن صدور الإعلان الدستوري وتكريس حكم الرئيس الشرع لمدة خمس سنوات مع النص على أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع هو نوع من الاتجاه نحو الدولة الدينية، حيث لم يرد في الإعلان الدستوري كلمة واحدة عن الدولة المدنية أو الديمقراطية، كما أن المدة الانتقالية المتمثلة في خمس سنوات هي مدة طويلة.الرأي السائد هنا أن حكومة دمشق ستحاول مسك العصا من المنتصف فمن جهة هي قامت بما يتوجب عليها من عقد مؤتمر للحوار الوطني وكتابة إعلان دستوري وتشكيل حكومة وحدة وطنية ضمت أشخاصاً من كل المكونات، ومن جهة أخرى ستقوم بتطبيق رؤيتها وعقيدتها في الحكم التي عملت عليها طوال أربع عشرة سنة عاماً دون التوقف كثيراً عند المطالب الغربية.والسؤال هنا: هل سنعود إلى المربع الأول؟ وتبقى العقوبات الغربية سيفاً مسلطاً على رقاب السوريين، وما التحذيرات الأميركية البريطانية من حصول أعمال إرهابية في عطلة العيد والطلب من رعاياهم الرحيل، إلا بداية لترجمة عدم الثقة بين الطرفين.ختاماً، لا يمكن لنا أن نهمل العامل الإسرائيلي، وما تحمل إسرائيل من أهداف توسعية وعدوانية تجاه الأراضي السورية، وتصريحاتها المستمرة أنها لن تسمح باستبدال إيران بتركيا، وإنشاء قواعد عسكرية في الداخل السوري، ويبدو أن ما تسرب من زيارة وزير الخارجية التركي حقان فيدان إلى واشنطن، وتحذير واشنطن لتركيا من إنشاء أي قواعد عسكرية في سوريا، والطلب منها الموافقة على دمج قوات سوريا الديمقراطية بالجيش السوري، وحل بعض الفصائل التابعة للجيش الوطني، يؤكد دخول العامل الإسرائيلي بقوة إلى الساحة السورية، ووضع سوريا أمام خيارين: إما الموافقة على الطلبات الغربية، وإما استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجيش السوري والبنى التحتية.