في كتب المذكرات التي أصدرها المسؤولون الأميركيون الذين أداروا العراق في الفترة التي تلت انهيار نظام صدام حسين، أجمع معظمهم على أن المعضلة الأكبر تجلت في الحصول على شرعية للدولة العراقية الجديدة.
انعدام شرعية الحكم في العراق
لو لم تفعل أميركا ذلك، لكان من الممكن تقويض أي سلطة في بغداد وتقسيم العراق إلى دويلات، خصوصاً أمام الاندفاعة الكردية الاستقلالية في الشمال والشيعية في الجنوب. مشكلة انعدام شرعية الحكم في العراق تمت معالجتها باستفتاء شعبي وكتابة دستور وانتخابات أعادت تشكيل الدولة العراقية بشكل أرضى المكونات الثلاثة الكبرى: الشيعية والسنية والكردية. بدونها، لكان الحكم في بغداد ما يزال مصدر تشكيك، ولانقسم العراق إلى ثلاث دول على الأقل.
مشكلة انعدام الشرعية في حكم ما بعد صدام تكررت في دولتين عربيتين في عصرنا هذا: اليمن والسودان، حيث تتسابق عدة حكومات لإثبات شرعيتها. هذه الحكومات كلها سواسية في انعدام الشرعية الداخلية، تستمر في الحكم بقوة سلاحها وباعتراف أطراف خارجية بها، والاعتراف الخارجي قلما يكون نابعاً من الحرص على المصلحة الوطنية اليمنية أو السودانية، بل يراعي غالباً المصالح الخارجية.
الحكومة الشرعية الأخيرة في اليمن كانت حكومة الراحل علي عبدالله صالح، الذي وافق على نقل السلطة إلى عبد ربه منصور هادي. ثم اقتحم الحوثيون صنعاء وسيطروا عليها وأعلنوا حكومة بديلة عن حكومة هادي، الذي هرب إلى عدن. واندلعت حرب في اليمن لم تنجح في إزاحة الحوثيين عن السلطة وإعادتهم إلى قمقمهم في الشمال، فصار في اليمن حكومتان: واحدة في صنعاء بقوة الأمر الواقع، وأخرى في عدن تحوز على اعتراف دولي أوسع. أما صالح، فتراجع عن نقل السلطة إلى هادي واعترافه به، قبل أن يتحول إلى ضحية الحرب الدموية ويرحل عن هذا العالم.
العليمي ليس رئيس اليمن منفرداً
وواصل هادي التظاهر بأنه الحاكم الشرعي من منفاه، إلى أن توصل اليمنيون إلى اتفاقية وقف إطلاق نار تضمنت خلع هادي واستبداله بمجلس قيادة رئاسي يمثل كل الأطراف، كان مأمولاً أن يشارك فيه الحوثيون، فيتم توحيد اليمن وإعادة إنتاج السلطة بشكل يلقى قبولاً أوسع. لكن الحوثيين لم يدخلوا في التسوية، فتحول المجلس المؤقت إلى دائم، ثم تحول رئيسه رشاد العليمي إلى رئيس لليمن بصلاحيات واسعة وولاية مفتوحة، مع أن منصبه رسمياً رئيس مجلس القيادة الرئاسي وليس رئيس اليمن منفرداً. واعتبر العليمي نفسه الشرعية، فحاكم أقرانه في المجلس بتهم الخيانة، وفرض تصوره لليمن من منفاه أيضاً، من دون سيطرة على جزء كبير من البلاد، ولا على العاصمة، ولا تأييد أغلبية سكانية، ولا انتخابات، ولا استفتاء، فقط اعتراف دولي يعوض عن غياب الاعتراف المحلي.
ومثل اليمن في السودان، حيث كان رئيسها الأخير الإسلاموي عمر البشير معزولاً دولياً ومطلوباً بمذكرات توقيف للعدالة الدولية. ثم قام السودانيون بثورة أطاحته، وحل محلّه حكومة مدنية من المتخصصين بدعم وتأييد عسكر البشير. لكن عسكر البشير ما لبثوا أن صادروا الحكم لأنفسهم واعتبروا أنفسهم الحكومة الشرعية، بدون استفتاء أو انتخابات. ثم انقلب أحدهم، عبد الفتاح البرهان، على الآخر محمد حمدان دقلو "حميدتي"، واعتبر البرهان نفسه الشرعية وخصمه متمرداً. ومن نافل القول أن شرعية البرهان متساوية مع شرعية حميدتي، فكلاهما عسكري بتعيين البشير. وبعدما انفرد البرهان بالسلطة، استخدم الشرعية نفسها لمنعها عن خصمه، قائد الميليشيات التي أعلنها البشير جزءاً من القوات المسلحة بمرسوم جمهوري.
البرهان لا شرعية له غير قوة السلاح
وشن البرهان حرباً للقضاء على خصمه، ونجح في الأشهر الأولى، لكن موازين الحرب انقلبت، وراح حميدتي يتفوق في بعض الجبهات، وتحولت الحرب إلى مذبحة دامية اضطرت المجتمع الدولي، برئاسة الولايات المتحدة، إلى تقديم تسوية تقضي برحيل البرهان وحميدتي عن السلطة وعودة المدنيين للإشراف على إعادة بناء السودان، لا الحجر فحسب، بل الدولة ومؤسساتها التي تلاشت.
ارتبك البرهان وانتهج سياسة ذات وجهين متناقضين: يمدح المبادرة الدولية التي تنص على وقف فوري لإطلاق النار وتنحيه، وفي الوقت نفسه يعلن أن نهاية الحرب لا تكون إلا بالحسم الكامل "بل وبس"، حسب ما يقول أنصاره. لكن البرهان لا شرعية له غير قوة السلاح واعتراف بعض الأطراف الخارجية به لمصالحها، لا بالضرورة لمصالح السودانيين.
في ظل غياب الشرعية المحلية عن حكومتين يعترف بهما غالب العالم ولا يعترف بهما غالب شعبيهما، تصبح نهاية الحرب متعذرة ومعقدة، ويتحلل العقد الاجتماعي الذي قامت عليه كل من الدولتين، وتعودان إلى مراحل ما قبل تشكل الدولة، أي إلى مرحلة القبلية والدويلات، تماماً كما حصل في لبنان أيام الحرب الأهلية حيث انقسمت البلاد إلى دويلات أمر واقع، إلى أن فوضت أميركا نظام الأسد في سوريا باكتساح جانب وتطويب الآخر حكومة شرعية. وعلى الرغم من ذلك، بقي لبنان مفككاً وعرضة لعودة الحرب الأهلية.
إن وصم طرف من الأطراف المتحاربة في الحروب الأهلية بالشرعية دون الآخر لا يساعد في إنهاء هذه الحروب، بل يطيل أمدها وأمد التمرد، إذ إن الطريقة الوحيدة لإعادة تشكيل شرعية أي دولة هي إعادة تشكيل الإجماع، وهذا يتطلب سلسلة من الاستفتاءات الشعبية: إما تبقى الأجزاء في الوطن الأكبر، كما صوت الاسكتلنديون للبقاء في المملكة المتحدة والكاتالونيون في إسبانيا، أو ينفصل من يرغب في الانفصال وتشكيل إجماع في دويلة لقبيلته أو عرقه. فالدول تقوم على عقد اجتماعي بالتراضي، أما الإكراه فيثبت استقراراً مؤقتاً مع التأكيد على حروب أهلية متجددة مستقبلاً.