في السياسة الدولية، هناك مصطلح "الكيل بمكيالين"، أي التعامل مع موقفين متشابهين لكن بطريقتين مختلفتين عن بعضهما البعض، ولعلّ الشهير في صياغة هكذا مواقف، الولايات المتحدة الأميركية، في عشرات المواقف والقضايا الداخلية والخارجية، قد نحتاج إلى مجلدات لتفنيدها، لكنّ السياق الزمني للأحداث، فرض واقعا جديدا أصبح التعامل معه، وتشكيل بنية مقاومة تقف سدا منيعا في وجه استغلال المواقف، هي الأهم، في وقت أصبحت فيه المنظومة الدولية ضعيفة، وهي على حافة الانهيار إذا لم يتم تغيير هذا الوضع في أسرع وقت ممكن.
العالم اليوم على مفترق طرق، في ظل الفوضى الدولية الحاصلة على المستويات كافة، ففي الأزمة الأوكرانية، ومن دون مراعاة أو محاولة فهم الأسباب الكامنة وراء قيام العملية العسكرية الروسية الخاصة، مباشرةً تم تجريم روسيا، ودعم أوكرانيا، وعلى فرض كانت موسكو مخطئة في مقاربتها لحماية سكان دونباس، كان الوضع يتطلب تضافر جهود المجتمع الدولي، ونقل الأزمة من الناحية العسكرية إلى الناحية السياسية، ودعم المفاوضات على الأقل منعا لإراقة دماء الشعب الأوكراني نفسه، الذي يدافع الغرب عنه بشدة، لكنّ ازدواجية الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية حالت دون ذلك، فقد وضع فريق الرئيس الأميركي جو بايدن، استراتيجيته لتحطيم روسيا "العدو الأزلي" لأميركا، وأصبح ما يضرّ روسيا هو السائد، على سبيل المثال، الانسحاب من الاتفاقيات الاستراتيجية الخاصة بالأسلحة غير التقليدية، وكذلك إمداد أوكرانيا بأحدث الأسلحة الأميركية.
بالتالي، أوكرانيا وما يحدث فيها، تحصل على كامل اهتمام واشنطن ودوائر القرار في بروكسل، في حين أنّ الإنسان الآخر في الصومال أو مالي، أو أفغانستان أو فلسطين، أو أيّ مكان آخر، لا يجد أيّ نوع من الاهتمام الأميركي، بل على العكس، دائما ما تكون واشنطن وراء هذه الأزمات.
ولا يقتصر الأمر على الناحية السياسية فقط، فآخر مثال حي، كان مسألة البحث عن غواصة تيتان المفقودة في المحيط، فقد أخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة، والاهتمام الكبير في البحث عنها، ومحاولة إنقاذ طاقمها، وسخّرت كل أسلحتها الإعلامية في سبيل إظهار نفسها بأنها المهتمة بإنقاذ الطاقم، وحتى لعبة المؤتمرات الصحفية رأيناها في هذه الحادثة، المؤتمرات الصحفية لخفر السواحل والتي أجبرت كل وسائل إعلام العالم ومنها الإعلام العربي، على متابعة هذا الحدث، والسبب معروف هو أنّ من كان على متن هذه الغواصة شخصيات عامة ومليارديرات تحمل الجنسية البريطانية، وهذا على عكس حادثة غرق البحّارة المصريين قبالة سواحل اليونان، فمن على متن الغواصة هم بشر، وكذلك البحارة المصريون، لكن مع الأسف كان التمييز واضحا بين القضيتين المتشابهتين إنسانيا، لكنهما حصدتا موقفَين مغايرَين من واشنطن نفسها، وبالتالي من وسائل الإعلام العربية التابعة لحيتان الإعلام الأميركي، من دون أن يشعروا.
على الصعيد الإنساني، ترفع الولايات المتحدة شعار حماية الأقليات وحقوق الإنسان، ونشر الديمقراطية في كل مكان في العالم، فعند انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، تركت ملايين البشر لمصيرهم، وهي التي دخلت بلادهم بزعم إنقاذها لهم، فمن ينسى مشهد الأفغان المعلّقين بإطارات الطائرات الأميركية المغادرة من مطار كابول، ليس هذا فقط، حتى في ملف الهجرة وحائط الصدّ المنيع مع المكسيك، لم يشفع للمهاجرين صعوبة وضعهم بأن تمنحهم الولايات المتحدة حقّ اللجوء، والدخول إلى أراضيها، بالحدّ الأدنى ريثما يتم ترحيلهم.
لكن والمهم في هذه المرحلة، أنّ الازدواجية الأميركية في مراحل سابقة، كانت هي الأقوى على المستوى العالمي، لكن اليوم وعلى الرغم من النكبات حول العالم، هناك حالة من الصحوة، فلقد فقدت أميركا بريقها، ولم يعد الحلم الأميركي هاجس الشعوب، لقد تغيّرت نظرة العالم لها، ولهذا نجد السعي الحثيث لنشر أجندة عالم متعدد الأقطاب، لإلغاء الهيمنة الأميركية، ووقف القطبية الأحادية الجانب، في التحكم بمصائر الشعوب، لأنّ الحياة تتطلب التعاون لا الإلغاء والإقصاء.