أشارت التقارير إلى أنه في شهر يناير الماضي، دخل 21 ألف مواطن إفريقي اليمن بصورة غير شرعية عبر البحر، وأن غالبية هؤلاء هاجروا من جيبوتي والصومال. وبتدقيق بسيط، يمكن استنتاج أن قرابة ربع مليون مهاجر عربي ومسلم يعرّضون حياتهم للخطر لعبور البحر ودخول اليمن، وهو ما يشي بأن شقاء الجيبوتيين والصوماليين تعدّى مراحل ما بعد اليأس حتى أصبحوا يتركون ديارهم ويرحلون.
معظم المستعمرات الماضية لم تكن دول حقيقية
والحالة هذه، ما رأي الدول التي تدّعي أنها تتزعم العالمين العربي والإسلامي؟
رأيها بسيط. بيان مشترك فيه إدانات بأقسى وأشدّ العبارات للمؤامرات التي تحاك ضد العرب والمسلمين، ودعوة للسعي للحفاظ على وحدة أراضي وسيادة الصومال أو جيبوتي أو غيرها. لكن البيانات "لا تطعم خبزًا"، على ما يقول اللبنانيون، ومثلها الوحدة الوطنية والسيادة.
إن مشكلة العالمين العربيّ والإسلاميّ الأولى تكمن أولًا في إلقاء لائمة الشقاء المحليّ على أسباب خارجية فيما هو شقاء سابق للعوامل الخارجية ولاحق لها. أصلًا، لولا التدخل الخارجي، لما حصلت معظم هذه الدول على شكلها ضمن حدودها المرسومة، وهي حدود تم رسمها حتى تتناسب ومصالح القوى العظمى في وقت رسم الحدود.
لكن مصالح الدول الكبرى تغيرت، فلم تعد السيطرة على الأرض والسيادة مصادر قوة، بل صارت هذه الأراضي وسكانها عالة على الدول الاستعمارية، فانتهى الاستعمار، وانهمك الاستعماريون في بناء اقتصاداتهم على أسس المعرفة، وينهمكون اليوم في سباق تطوير الذكاء الاصطناعي.
أما المستعمرات السابقة، فهي عانت انعدام الاهتمام الاستعماري والدولي بها وبشؤونها، وذاب الثلج وبان المرج، واتضح أن معظم المستعمرات الماضية لم تكن دول حقيقية، بل كانت حدود اصطناعية تم رسمها لتجمع مجموعات سكانية غير متناسقة ولا يجمع بينها الكثير.
ولم تنجح الدعاية القومية الحديثة في تحويل هذه الدول إلى "الدولة الأمة"، التي تشكلت على أساسها معظم الدول الناجحة، فسقطت المستعمرات السابقة في فخّين لا ثالث لهما: إما الخضوع لقبضة أمنية حديدية لمجموعة صغيرة حاكمة على غالبية فقيرة بدون نمو اقتصادي ولا آفاق مستقبلية، أو الغرق في مستنقع الحروب الأهلية.
لكن الحل الأفضل قد يكمن في كسر قداسة الحدود الامبريالية، والسماح لهذه الشعوب بإعادة تشكيل دولها وحدودها بما تعتقد أنه يناسب مصالحها.
ويقول المشككون أن الدويلات الناجمة عن تقسيم الدول العربية تفتقر إلى مقومات العيش الاقتصادي. ممتاز. لندع هذه الدول تكتشف حاجتها للتعاون مع الدويلات الجارة لها، بما فيه مصلحتها ومصلحة نموها الاقتصادي، وهكذا، تعود الدويلات إلى التعاون والوحدة، على غرار ما فعلت الدول الأوروبية في الاتحاد الأوروبي، وهو اتحاد بابه مفتوح للساعين للانضمام إليه، مثل أوكرانيا، أو للخارجين منه، مثل بريطانيا.
هكذا تكون الدول الناجحة
على أساس رضا المواطنين تقوم الدول الحديثة. بريطانيا سمحت للإسكوتلنديين باستفتاء على الانفصال. صوتت غالبية الإسكوتلنديين على البقاء في المملكة المتحدة لمصالح مالية واقتصادية، والبقاء هذا أسكت الفوضويين والعقائديين وأقنعهم أن شعبهم لا يريد الانفصال. ومثل إسكتلندا في بريطانيا كذلك كتالونيا في إسبانيا: صوّت الكتلان في استفتاء شعبي على البقاء في إسبانيا وخاب أمل الانفصاليّين.
في التجربتين البريطانية والإسبانية، لم تحصل ضربة كف، ولا تخوين، ولا حديث عن مؤامرات، ولا حروب أهلية، فقط قناعة بأن الدول تقوم برضى شعوبها، فالجماعة التي ترغب في الانفصال ترحل، والتي ترغب في الوحدة تنضم.
وتقسيم الدول إلى دويلات يحمّل الدويلات الجديدة مسؤولية الحكم، وفي حال فشلهم، تعود إمكانية الوحدة، ربما يتوحدون مع دول غير التي كانوا في إطارها.
الأرض والدول هي أدوات في خدمة شعوبها وعيشهم الكريم، لا العكس، أي لا يمكن الاستمرار في المقتلة السودانية أو الليبية فقط بسبب التكاذب حول الشعب الواحد والتعييب على التقسيم والانفصال.
والدول، على ما نسمي دولتنا الفيدرالية الأميركية، تجارب، لذا، يطلّ الرئيس الأميركي سنويًا عبر الكونغرس ليلقي خطاب حال الاتحاد، وهذا الخطاب، مثل اسمه، هو بلاغ للأميركيين عن وضع اتحاد الولايات الذي أنجب الحكومة الفيدرالية كحكومة مشتركة لهم.
المرونة وإقامة استفتاءات الوحدة والانفصال، وخطابات حال الاتحاد. هكذا تكون الدول الناجحة والشعوب السعيدة. أما الخطابات الخشبية عن التصدي للمؤامرة ضد التقسيم والحفاظ على الدول بشكلها الإمبريالي الماضي مع الحفاظ على الصراعات الأهلية والمحلية من دون أسباب وجيهة، فخطابات فاشلة فيما المطلوب هو سياسات ناجحة.