لا يخفى على أحد بأن العالم اليوم يعيش حالة مقلقة من عدم الاستقرار والتدهور الأمني، وذلك في ظل الازدياد اللافت في عدد الحروب والانتشار الملحوظ لبؤر التوتر حول العالم. وقد كان لافتاً عودة "ثقافة الحروب" في السنوات الماضية للهيمنة بشكلٍ مريبٍ على المشهد العالمي وذلك على حساب "ثقافة السلام والحوار" التي يصارع بعض الحكماء لإبقائها قيد الوجود وعدم أفولها أو اندثارها.
فمثلاً الحرب المرهقة في أوكرانيا دخلت عامها الثالث ولا أحد يعرف كيف أو متى ستنتهي، هذا فيما تدخل الحرب في غزة شهرها السابع بأفقٍ مسدودةٍ سوداء لا تدعو إلى الطمأنينة أبداً وتهدد مستقبل المنطقة بأكملها. أما النزاعات والتوترات فحدث بلا حرج فهي عديدة ومديدة، نذكر منها النزاع الدامي في السودان واليمن وحالة عدم الاستقرار في ليبيا وسوريا ولبنان والعراق وأفغانستان، والتوترات في إثيوبيا ومنطقة القرن الإفريقي وبعض مناطق أميركا اللاتينية. من دون أن ننسى النزاعات في "أقليم ناغورني قره باغ" بين أرمينيا وأذربيجان، والتوترات المتصاعدة في بحر الصين الجنوبي والحديث عن حرب باردة في المحيط الهادئ بين الغرب والصين، وغيرها الكثير والكثير.
الأكيد أن الحروب والنزاعات والتوترات ليست بغريبة أو جديدة على المجتمعات الإنسانية، فهي لطالما كانت جزءاً أساسياً من كافة مراحل تاريخ البشرية. لكن ومع رسم معالم العالم الجديد بُعيد الحرب العالمية الثانية والثورة في عالم الاتصالات والتكنولوجيا منذ ذلك الحين ظن الكثيرون أن العالم الجديد والمتمدن تعلم من أخطاء الماضي، وأنه يمضي قدماً نحو المزيد من الاستقرار والابتعاد عن الحروب والإدارة الإيجابية للأزمات والتوترات.
وفي هذا الإطار عقدت الآمال على "الأمم المتحدة" التي أبصرت النور في 24 أكتوبر 1945 على أنقاض تجربة قصيرة متهالكة وفاشلة هي "عصبة الأمم". ولادة صعبة ما كانت لتتم لولا مصادقة القوى المنتصرة بالحرب آنذاك أي الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين وروسيا على "ميثاق الأمم المتحدة" وذلك بعد اتفاقهم في مؤتمر يالطا في فبراير 1945 على تقاسم السلطة من خلال حصولهم على حق النقض "الفيتو" في "مجلس الأمن".
سلطة ناقصة
نظرياً، يمكن القول إن العالم في "مؤتمر سان فرانسيسكو" أوكل إلى مجلس الأمن الدولي المهام الأساسية للحفاظ على السلم والأمن في العالم أجمع بالإضافة إلى العمل على منع الصراعات وصنع السلام. فمن ضمن المؤسسات الأممية الكثيرة التابعة للأمم المتحدة "مجلس الأمن" هو المسؤول الأول عن صون السلام والأمن الدوليين طبقًا للفصل السابع من ميثاق المنظمة الأممية. إذ تشمل سُلطاته عمليات حفظ السلام، وفرض عقوبات دولية، والسماح بعمل عسكري، وهو بالمناسبة الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة المخوَّلة إصدار قراراتٍ ملزمة للدول الأعضاء.
تقول الروائية والمؤلفة الكندية Marie José Thériault إن السلطة المشتركة هي سلطة ناقصة. وهو من حيث المبدأ أمر واقعي إلى حد بعيد، غير أن الواقع في حالة مجلس الأمن كان أكثر سوءًا وذلك مع تحول تشارك السلطة بين الدول الخمس الدائمة العضوية من "قوة مطلقة" إلى "قوةٍ عاجزةٍ" بشكلٍ كلي. أما مفتاح العجز فهو بدون أدنى شك "عصا سحرية" اسمها حق النقض "الفيتو".
من المعلوم أن الخلافات والسجالات حول هذه "العصا السحرية" ليست وليدة اليوم بل هي تعود حتى إلى ما قبل ولادة المنظمة الدولية وبالتحديد إلى أبريل 1945، وذلك عندما أثير هذا الموضوع لأول مرة مع انطلاق جلسات المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة في سان فرانسيسكو. عندها كان هناك اعتراضات كثيرة على "الفيتو"، كما تم رفض طلب عضو الوفد الأسترالي، هيربرت فير إيفات، بوضع المزيد من القيود عليه، خوفاً من فشل المؤتمر وعدم ولادة المنظمة الجديدة. خصوصا بعدما قالها صراحة فرانسيس ويلكوكس، مستشار الوفد الأميركي، "إما أن يتضمن الميثاق حق النقض أو لا يُنجز أي ميثاق".
بعدها وفي ظل انقسام العالم بين معسكر غربي بقيادة الولايات المتحدة وشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي، حصل ما كان يتخوف منه الكثيرون، إذ بدأ الاستعمال المفرط والكيدي لـ"الفيتو" وبرز الأخير على الساحة الدولية كأداة للمناكفة السياسية. حتى أن هناك شخصيات ارتبط اسمها بالاستعمال المفرط لحق النقض مثل "السيد نييت" أي "السيد لا" في الإشارة إلى أندري غروميكو وزير خارجية الاتحاد السوفياتي الذي ربما يكون من أكثر من أستخدم حق "الفيتو" ضد مشاريع قرارات غربية وأميركية.
لا شك بأن هذا الاستخدام المكثف لحق النقض "الفيتو" قد شلَ عمل مجلس الأمن وجعله عاجزاً تماماً، وبالتالي عرضه للائحة طويلة من الاعتراضات والانتقادات لم تتوقف أبداً. فهو المجلس الذي "لم يعد يُنتج حلولاً مفيدة" كما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو أيضاً "الجميلة النائمة بانتظار قبلة تنعشها"، بحسب وصف ألمانيا.
انتقادات حادة
إذاً يبدو واضحاً أن هناك إجماعاً على انتقاد هذا المجلس الذي سيبلغ الـ79 عاماً في الخريف المقبل، إذ تأتيه الانتقادات من كل حدب وصوب ومن الداخل قبل الخارج. فهناك من يدعون إلى إصلاحات جوهرية داخله، وآخرون يطالبون بإلغاء "الفيتو"، هذا فيما يصر كثيرون على ضرورة توسيع المجلس ليضم أعضاء دائمين جدد مثل الهند، اليابان، ألمانيا، البرازيل وجنوب إفريقيا، على أن يتمتعوا هم أيضاً بحق النقض "الفيتو".
طبعاً، الحرب في كلٍ من أوكرانيا وغزة قد عززتا إلى حد كبير من حالة الاحتقان والغضب تجاه هذه المؤسسة الدولية. خصوصا أنها فشلت بفعل "الفيتو" الروسي في اتخاذ أي قرار لإنهاء الحرب في أوكرانيا، كما أنها فشلت بفعل "الفيتو" الأميركي في إقرار أي هدنة إنسانية أو وقف لإطلاق النار يحقن دماء المدنيين في قطاع غزة.
الحقيقة أن هناك الكثيرين اليوم الذين ينظرون بحسرة وخيبة أمل إلى مجلس الأمن وقد تحول من أداة لمنع الحروب وصناعة السلام بطريقة مباشرة إلى أداة لتشريع الحروب بطريقة غير مباشرة. فأقوى هيئات الأمم المتحدة "مجلس الأمن" يبدو عاجزاً ومتفرجاً اليوم أمام حالة "اللا أمن" التي يعيشها العالم، وبدل أن يُساهم وبقوة في فرض القانون الدولي ساهم غيابه وعدم قيامه بمهامه بانتشار قانون "شريعة الغاب".
للأسف الجميع يعلم وخصوصا القوى العظمى أن "مجلس الأمن" بحاجة ماسة الأمس قبل اليوم إلى ورشة إصلاحية كبيرة وشاملة تعطيه قبلة الحياة وتعيده إلى الحياة ليصبح بجد مجلساً للأمن. خصوصا وأن العالم اليوم وفي ظل الظروف الراهنة وهيمنة حالة "اللا أمن" يتوق بجد للاستقرار والأمن والسلام.
يقول الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان ببراغمتية كبيرة إن "السلام حلم معلق" وهو محق. فهل يتغلب منطق الحكمة ويصلح مجلس الأمن نفسه بنفسه مما يمهد لحلم الأمن والسلام، أم يتغلب منطق القوة ويعلق هذا الحلم مرة جديدة بانتظار ربما حرب عالمية جديدة لتحقيقه؟