hamburger
userProfile
scrollTop

قانون الأسرة في المغرب يدخل مرحلة حاسمة

المشهد

الخلافات الحادة في منهجية التفكير ومنطق الترافع أظهرت 7 قضايا حساسة
الخلافات الحادة في منهجية التفكير ومنطق الترافع أظهرت 7 قضايا حساسة
verticalLine
fontSize

قامت الهيئة المشرفة على مراجعة قانون الأسرة بالمغرب بتسليم مقترحاتها وتوصياتها لرئيس الحكومة الذي وضعه بين يدي الملك محمد السادس الذي له الكلمة الفصل. مما جعل الصراع القيمي يتصاعد في الآونة الأخيرة ويصبح أكثر توترا.

وإذا كان المغرب قد خطا خطوة هامة بتعديل قانون الأسرة سنة 2004، التعديل الذي استطاع كسر العديد من طابوهات المجتمع و"الفكر القديم"، سواء عبر اتخاذ قرارات جديدة حاسمة في قضايا الزواج والطلاق، أو عبر تقييد بعض القواعد والأحكام القديمة وتقليص أثرها السلبي على الحياة الأسرية، وجعل الزواج تعاقدا بين طرفين هما الرجل والمرأة معا عوض ربّ الأسرة الواحد. إلا أن مرور 20 عاما على ذلك التعديل يجعل من الضروري تقييم الاشتغال بهذا النص ومدى انعكاسه على حياة الأسرة المغربية.

ونظرا لارتباط مدونة الأسرة ـ رغم كونها نصا قانونيا مدنيا ـ ببعض أحكام الشريعة الإسلامية، فإن قرار مراجعتها وإعادة النظر في موادها بعد كل مرحلة، يعود أساسا إلى الملك بصفته "أمير المؤمنين"، أي اعتمادا على سلطته الدينية التي تمنع أي طرف آخر من اتخاذها منطلقا للفتوى أو لإثارة النزاع في المجتمع، ولهذا فرغم أن الحركة النسائية المغربية ومختلف التنظيمات المدنية الديمقراطية ما فتئت منذ 2011 تدعو إلى مراجعة نص المدونة الذي أصبح بمقتضى الدستور الجديد متجاوزا، إلا أن عملية المراجعة الفعلية لم تنطلق إلا بإعلان الملك محمد السادس عن ذلك في خطاب رسمي، ثم عبر رسالة وجهها إلى رئيس الحكومة الحالي، يدعو فيها إلى مراعاة "الاجتهاد المنفتح" و"مراعاة تطورات المجتمع المغربي"، ولكن في الوقت نفسه مشيرا إلى أنه "لن يحلل حراما ولن يحرم حلالا".

وقد أعقب هذا الإعلان الرسمي نقاش حاد كالعادة بين التيارين الحداثي والإسلامي، تميز بالخصائص التالية:

  • تركيز التيار الحداثي (الذي يضم الأحزاب اليسارية والمجتمع المدني العلماني والحركات النسائية) على عيوب النص في علاقته بتحولات الواقع المغربي، وعلى أشكال الظلم التي تلحق النساء والأطفال من جراء اعتماد نص ما زال في كثير من مواده يجعل النساء تحت الوصاية والحجر الذكوريين، ويُضيع المصلحة الفضلى للأطفال. في مقابل تركيز التيار المحافظ (الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح والعدل والإحسان والتيار السلفي) على النصوص الدينية الأصلية التي يعتبرها "قطعية الدلالة" ولا تقبل المراجعة والتأويل والاجتهاد، مما يحذو بهذا التيار إلى السكوت عن أعطاب الواقع وعيوب النص والأرقام المعلنة معتبرا أن السعي إلى مراجعة مدونة الأسرة إنما يتم بإيعاز من الخارج لفصل المغاربة عن قيمهم الدينية الأصيلة. ولهذا فبينما يركز التيار الحداثي على نقد المضامين والثغرات الداخلية، يصرف التيار الديني الاهتمام نحو الخارج وفق ما تمليه "نظرية المؤامرة".
  • مناداة التيار الحداثي بـ"مراجعة شاملة وعميقة" للمدونة، بهدف تغيير فلسفة النص ذاته ومعجمه ومصطلحاته وأحكامه التي لم تعد تطابق الواقع المتغير، والتي يعتبرها هذا التيار متناقضة فيما بينها وغير قابلة للتفعيل الأمثل. في مقابل تركيز التيار المحافظ على أن المدونة بحاجة إلى بعض الرتوشات والترميمات البسيطة التي لا تمس جوهر النص الذي يؤطره الفقه القديم.
  • محاولة التيار الحداثي إخراج النقاش حول المدونة من صراع المرجعيات عبر التركيز على الواقع والأرقام والتحولات التي عرفها المجتمع، لإبراز الهوة التي أصبحت تتسع بين النص القانوني والواقع المتغير، والتركيز أيضا على مكتسبات دستور 2011 الذي جعل الاتفاقيات الدولة أسمى من التشريعات الوطنية، كما اعتبر حقوق الإنسان "كلا غير قابل للتجزيء"، وأفرد للمساواة فصلا خاصا هو الفصل 19 الذي أصبح يؤكد على ضرورة تحقيق المساواة بين الجنسين "في الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية"، في مقابل إصرار تيار الإسلام السياسي على التركيز على إشكالية الهوية الدينية المهددة، وعلى الخطر المحدق بالأسرة المغربية التي لا يمكن أن تنعم بالاستقرار إلا في ظل العلاقات التقليدية التي يحكمها وجود ربّ الأسرة الواحد عوض المساواة.
  • تركيز التيار الحداثي على المساواة بوصفها عامل تحرير لنصف المجتمع، من أجل تنمية شاملة ودائمة، في مقابل تركيز التيار المحافظ على التهديد بالفتنة القادمة في حالة ما إذا تم تجاوز النصوص الدينية القطعية في عملية المراجعة.

هذه الخلافات الحادة في منهجية التفكير ومنطق الترافع أظهرت 7 قضايا حساسة قوي حولها الخلاف، ويمكن إجمالها في ما يلي:

  • مطالبة التيار الحداثي بوضع حد نهائي لتزويج الطفلات معتبرا أن مكانهن في المدرسة وليس في تحمل أعباء الأسرة قبل النضج النفسي والعقلي، وأن الزواج المبكر يعرضهن للعنف والضياع، فيما اعتبر التيار المحافظ بأن منع الزواج قبل 18 سنة سيشيع "الفاحشة" في المجتمع والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.
  • إلحاح التيار الحداثي على ضرورة جعل الولاية على الأطفال مشتركة بين الرجل والمرأة حفاظا على المصلحة الفضلى للأطفال، حيث بمجرد وقوع خلاف بين الزوجين يتخلى معظم الآباء عن كل مسؤولية تجاه الأسرة السابقة، بينما تعجز الأمهات عن القيام بواجبات الأطفال بسبب حرمانهن من الولاية التي تبقى بيد الرجال. ويرفض التيار المحافظ الولاية المشتركة بين الزوجين من دون أن يدلي بأي تعليل، حيث يسكت عن الأسباب الفقهية القديمة المتمثلة في ضعف عقل المرأة وغلبة العاطفة عليها وانعدام الخبرة لديها في الأموال وعدم جواز اختلاطها بالرجال.
  • المطالبة بعدم إسقاط الحضانة عن الأم بعد الزواج، وهو ما يرفضه التيار المحافظ بحجة عدم أهلية المرأة لتربية الأطفال بعد زواجها، وهو ما يسمحون به للزوج.
  • المطالبة بعدم التمييز في الزواج على أساس الدين، حيث تمنع المرأة المسلمة من الزواج بغير المسلم بينما يسمح للرجل المسلم بالزواج بالمرأة غير المسلمة، ويرفض التيار المحافظ هذا الإجراء بحجة أن "المرأة تنقاد للزوج".
  • مناداة التيار الحداثي بضرورة اعتماد الفحوص العلمية المختبرية للحمض النووي في إثبات النسب والبنوة، ما يرفضه التيار المحافظ.
  • ترافع التيار الحداثي من أجل اقتسام الأموال المكتسبة بين الزوجين بعد الطلاق، وهو ما يرفضه التيار المحافظ الذي يعتبر الثروة وفق الفقه القديم ثروة الرجل الذي "ينفق" على المرأة، وهو بذلك يغض الطرف كليا عن مشاركة المرأة في الثروة في عصرنا وعن إنفاقها بدورها وإعالتها للأسرة، وعن قيمة عمل النساء عموما.
  • دعوة التيار الحداثي إلى المساواة في الإرث عبر إلغاء "التعصيب" الذي يؤدي إلى تشريد الفتيات وضياع حقوقهن رغم أنهن عاملات ومنتجات للثروة، وإقرار قانون مدني في الميراث يعتمد "الوصية" كاختيار للعائلات التي تريد المساواة بين الذكور والإناث، وهو ما يرفضه التيار المحافظ مهددا بأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى انهيار الأسرة التي يعتقد أنها قائمة على الروابط الأبوية التقليدية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أمرين اثنين:

  • أن الهيئة التي كلفها الملك بمراجعة نص المدونة تتكون لأول مرة من 3 مؤسسات مدنية للدولة الحديثة وهي وزارة العدل، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة، مما أثار انزعاجا كبيرا لدى التيار المحافظ، حيث فهم من ذلك إخراج المدونة من بين أيدي الفقهاء.
  • أنّ هذا النقاش يجري حاليا بالمغرب في الوقت الذي ماز ال فيه البلد يحتل الرتبة 136 في تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء، أي أنه ضمن الدول العشر الأخيرة التي هي في معظمها دول في حالة حرب واضطراب، مما يضع على الدولة المغربية مسؤولية كبرى لتغيير مرجعيتها القانونية المتعلقة بالأسرة، قصد إنصاف النساء وإدماجهن في المشروع النهضوي العام للدولة، والذي لا يمكن أن يتحقق من دون تضافر جهود جميع أطراف وفئات المجتمع.