تظهر التقارير الإسرائيلية أن "حزب الله" اللبناني استأنف محاولاته إعادة بناء وتسليح نفسه باستخدام الحمير لنقل الأسلحة عبر الأراضي السورية إلى لبنان. وتشير التقارير أن الحزب المذكور يعوّل على طريق يربط بلدة الحميدية، في هضبة الجولان، بالجنوب اللبناني، عبر جبل الشيخ. ونجح الإسرائيليون في اعتراض أكثر من شحنة سلاح على الحمير، ويعتقدون أن بعض هذه الشحنات مرّت ووصلت إلى أيدي مقاتلي "حزب الله".
لا خطة لدى "حزب الله"
من غير المفهوم لماذا يصرّ "حزب الله" على إعادة تسليح نفسه، وربما إعادة الكرة وجرّ لبنان مجددا إلى حروب طاحنة للبنانيين في مواجهة إسرائيل، في وقت لا يزال اللبنانيون، وخصوصًا الشيعة الجنوبيين منهم، يلعقون جراحهم من الحرب الماضية ويعيشون خارج قراهم. أما المحظوظون منهم، فيعيشون في خيام فوق أنقاض بيوتهم.
وإلى إعادة تسليح نفسه، كان لافتا أن "حزب الله" أقام استعراضًا عسكرياً كاملًا لتشييع 5 من قيادييه اغتالتهم إسرائيل قبل أسبوعين، وهي خطوة تظهر عجز الدولة اللبنانية عن "حصر السلاح ونزع مفاعيله"، حسب قول رئيس لبنان جوزاف عون، ناهيك عن نزع السلاح بشكل كامل.
لا خطة لدى "حزب الله" ولا رؤية ولا حسابات. فقط نكاية بإسرائيل ودولة لبنان وسيادتها. لا أحد يعتقد أن السلاح الإيراني قادر على منافسة التفوق الإسرائيلي.
في الحرب الماضية، نجحت إسرائيل في العثور على أنفاق "حزب الله" الستة التي حفرها تحت الحدود لاقتحام الجليل وأغلقتها قبل الحرب. ثم نجحت في العثور على الأنفاق التي تربط مواقع الحزب جنوب الليطاني. ثم نجحت في تدمير صواريخ الحزب داخل البيوت، ونجحت في تدمير منصات إطلاق الصواريخ لحظة تحركها وقبل وصولها إلى موقع الإطلاق، ونجحت في تدمير خوادم الكومبيوتر التي تطلق الصواريخ. وبعد ذلك كله، اجتاحت القوات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية، وقام عدد كبير من مقاتلي "حزب الله" بالفرار فيما قاتل بعضهم وتم اعتقال جزء منهم ولا يزالون في السجون الإسرائيلية.
ومع توقف القتال، حافظت إسرائيل على الأراضي اللبنانية التي دخلتها وحولتها إلى مناطق عسكرية عازلة خالية من السكان من دون أن يكون في أيدي "حزب الله" أو الدولة اللبنانية القدرة على استعادتها باستثناء في حالة تخلي الحزب عن سلاحه.
ولا تزال إسرائيل في وضع متفوق على الحزب اللبناني، الذي لا يزال يواجه صعوبة في الإفلات من قبضتها الاستخباراتية التي تقض مضاجع قياداته، وتعمل على تصفيتهم على مدار أيام السنة، أينما وجدتهم، وتقوم بتوجيه ضربات جوية تدمر فيها مخازن السلاح. كل هذا، ويصر "حزب الله" أنه انتصر في الماضي، وينتصر في الحاضر، وسينتصر في المستقبل، ويمضي في محاولاته تهريب السلاح على الحمير.
الحرب وسيلة ولا يمكنها أن تكون غاية، ومشكلة جمهورية إيران الإسلامية والميليشيات المتحالفة معها في عموم المنطقة أنها قامت بتحويل الحرب والموت إلى هوية وثقافة، وهو ما يجعل الحرب مفتوحة ودائمة ومستمرة، وحرب في سبيل الحرب، لا حرب في سبيل تحقيق سياسات واضحة.
هكذا يحمي "حزب الله" سلاحه
أما لبنان، فصار جليا أن مصلحته القومية تقضي بالابتعاد عن الحرب ما أمكن، وبأي ثمن، لأنّ حروب لبنان المتعاقبة حولته من سويسرا الشرق إلى خرابة. وخروج لبنان من زمن الحرب يتطلب تخلي "حزب الله" عن سلاحه، بالمفاوضات أو ببسط سلطة القانون عليه.
لكن "حزب الله" يلجأ إلى الطائفية لحماية سلاحه، فيقنع شيعة لبنان أن تخليه عن السلاح يضعفهم ويقدم فرصة للآخرين لاستهدافهم واستضعافهم والانتقام منهم، وطبعا كلها فرضيات خاطئة، إذ أن الطوائف اللبنانية غير الشيعية ليست مسلحة ولا تخشى الآخرين ولا تشعر بأي خطر يتهدد وجودها، بل هي تتعايش فيما بينها بكل ود ووئام.
ويبدو أن سكرة القوة تجعل التخلي عن السلاح أمرًا صعبًا، فالشيعة، حتى المحرومين منهم ممن يعيشون في بؤس وشقاء، يرفض بعضهم التخلي عن سلاح "حزب الله"، ربما لأنّ الشعور بالقوة المتخيلة يعوّض لهم عن بؤسهم.
على مدى العقود الماضية وحتى اليوم، سعى "حزب الله" دائمًا إلى تشتيت النظر عن سلاحه، ويكون ذلك غالبًا بمحاولة إثارة مشاكل أخرى على أنها أكثر أهمية، مثل الأمور المالية أو الاقتصادية أو مكافحة الفساد والمطالبة بالإصلاح. ولا شك أن كل هذه الأمور مهمة، لكنها تأتي حتما خلف نزع السلاح كأولوية لا يستوي أي شيء في دولة لبنان من دون إتمامها.
وقد يكون بعض المسؤولين اللبنانيين يعتقدون كذلك أنه يمكن القيام بإصلاحات أو تحسين معاش الناس وأوضاعهم من دون نزع السلاح، ولكن هذا التفكير سراب مارسه المسؤولون السابقون، ففشلوا في الإثنين معا: الإصلاح ونزع السلاح.
ربما الأجدى لدولة لبنان أن تستقي بعض الدروس من الحمير، فهذه الحيوانات يشير إليها الناس كشتيمة ولكنها حيوانات صبورة ودؤوبة والأهم من ذلك كله أنها تتعلم دائما من دروس الماضي ويستحيل أن تكرر أخطاء وقعت بها في الماضي.