شكلت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، مناسبة للإدارة الأميركية لكي تطّلع عن كثب على وضع الجيش اللبناني المكلف بحزمة من المهمات الكبيرة في مرحلة التحولات التي يشهدها لبنان، بعد الانقلاب الجيوسياسي الذي ضرب المنطقة في العامين الماضيين.
ولعلّ الزيارة الحالية التي أتت بعد مرحلة من سوء تفاهم حصل بين قادة الجيش والإدارة الأميركية، وتبددت كليًا، ما يشي بأنّ الموقف الأميركي لم يتبدل قيد أنملة في ما يتعلق بدعم الجيش اللبناني، الذي كان وسيظل جزءًا من الرهانات الإستراتيجية الأميركية في المنطقة. فالمؤسسة اللبنانية تحظى باحترام كبير في أوساط الجيش الأميركي عمومًا. وأداء الجيش كان على الدوام محط ثناء من الإدارة في واشنطن، على اختلاف العهود الرئاسية التي تعاقبت على البيت الأبيض.
من هنا فهناك أهمية كبيرة يوليها الأميركيون الذين يرَون أنّ الجيش يشكل حجر الرحى في أيّ إستراتيجية تهدف لتثبيت الاستقرار في لبنان. أكثر من ذلك، يكشف اهتمام واشنطن بالجيش كمؤسسة وقيادة، أنهما أكثر أهمية من المستوى السياسي اللبناني عمومًا. بمعنى آخر تراهن واشنطن على الجيش أكثر ما تراهن على الطاقم الحاكم المتقلب في رهاناته السياسية والوطنية.
ويمكن القول إنّ الرهان على الجيش لا يوازيه اليوم سوى الرهان على حاكمية مصرف لبنان الجديدة، التي تنظر إليها واشنطن على أنها أساس في محاربة "اقتصاد الكاش" الذي يستند إلى أموال الميليشيات والإرهاب والأنظمة المعاقبة، والتهريب على أنواعه، والتهرب الضريبي الداخلي! لذلك يشكل جناحا المعادلة اللبنانية الجيش ومصرف لبنان التي يتربع على رأسها رئيس الجمهورية جوزيف عون، العنوان الأول للسياسة الأميركية والعربية تجاه لبنان.
رفع الغطاء الرسمي عن سلاح "حزب الله"
عمليًِا يحتاج الجيش اللبناني إلى دعم كبير يتجاوز الدعم الأميركي الذي كان قائمًا طوال العقود السابقة، من التمويل المباشر لرفع الأجور، وزيادة التطويع، ليصل عديد الجيش إلى قرابة 150 ألف جندي، والدعم بالمعدات القتالية، واللوجستية والتدريب، وتبادل المعلومات الاستخبارية لتحسين أداء الجيش البناني خلال تنفيذ مهامّه القتالية والدفاعية الأمنية المتعددة، خصوصًا وأنّ مهمة نزع سلاح "حزب الله"، تبقى وستبقى الأساس لاستعادة الدولة سيادتها وقرار الحرب والسلم المخطوف حتى اللحظة.
ترى واشنطن أنّ الطاقم الحاكم يفتقر إلى الشجاعة السياسية الكافية، من أجل إصدار أوامر أكثر صرامة للجيش، للتحرك بمواجهة تمرد "حزب الله" على قرارات الشرعية اللبنانية، التي اتُّخذت في جلستَي مجلس الوزراء يومي 5و7 أغسطس 2025، والتي قضت برفع الغطاء الرسمي عن سلاح "حزب الله"، وإقرار حصره بالكامل في كل لبنان وليس في جنوب نهر الليطاني كما يصرّ الحزب المذكور. ولبنان الرسمي مطالب بأن يقوم بواجباته على الأرض، لا أن يعتمد على الدوام على تدخلات أجنبية لحل أزماته.
وفي مطلق الأحوال يجدر القول إنه لولا انهيار منظومة محور إيران في المنطقة بشكل عام في العامين الماضيين، لما كان موضوع نزع سلاح "حزب الله" قد طُرح في الأصل! هذه حقيقة مُرّة لكنها حقيقة، وتعكس ضعف الطاقم الحاكم ومعظم القوى السياسية اللبنانية أمام سلاح الحزب المذكور وسطوته، بعدما رأت مدى استعداده لهدر دماء لبنانيين على أرض لبنان. واغتيال الرئيس رفيق الحريري هو أبلغ الأدلة على ما نقول. وثمّة من يعتبر أنّ الطاقم الحاكم يعاني أيضًا مشكلة التقلب في الولاءات السياسية والأمنية والمالية إلى حد بعيد. هذا الواقع تجلّى مرارًا خلال العقدين الماضيين، في العلاقة التي جمعت هذه القوى السياسية الحاكمة بـ"حزب الله"، على الرغم من معرفتها بأنه حزب غارق حتى العظم في الدماء اللبنانية.
بالعودة إلى زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، أمامه مسار صعب ومعقّد، ومهمة تاريخيّة في إطار الدفع نحو تنفيذ التغيير العميق في لبنان. وهناك نافذة مفتوحة من المهم بمكان استغلالها، من أجل دفع مشروع الدولة في لبنان. وخلاف ذلك بقاء لبنان رهينة بيد حزب يحمل سلاحًا غير شرعي، يُرهب فيه أبناء البلد، ويعتدي به على العالم العربي، وفق وظيفة إقليمية تُدار من طهران فوق مصالح لبنان واللبنانيين.