تعيش منطقة الخليج حالياً مرحلة شديدة الحساسية من تاريخها المعاصر، في ظل استمرار الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى. ومع اتساع رقعة هذه المواجهة، لم تعد تداعياتها محصورة بين أطرافها المباشرين، بل امتدت لتطال دول المنطقة بأكملها. غير أن المفارقة اللافتة في هذه الأزمة تمثلت في الاستهداف الإيراني المكثف وغير المبرر لأراضي دولة الإمارات العربية المتحدة.
فَوابل الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت الإمارات في الأيام الأولى من هذه الحرب فاقت، بأشواط، تلك التي سقطت على بعض دول الجوار، بل وحتى على إسرائيل نفسها. فقد كشفت وزارة الدفاع الإماراتية أن منظومات الدفاع الجوي رصدت حتى الآن أكثر من 238 صاروخاً باليستياً و1,422 طائرة مسيّرة أُطلقت باتجاه الدولة. وتمكنت الدفاعات الجوية من اعتراض 221 صاروخاً و1342 طائرة مسيّرة بنجاح، فيما سقطت 80 مسيّرة وصاروخان داخل البلاد، ما أدى إلى بعض الخسائر المحدودة جداً في الأرواح والممتلكات.
النموذج الإماراتي في مرمى الاستهداف
في ظل استمرار هذه الهجمات الإيرانية العشوائية والجائرة على الأراضي الإماراتية، كثرت التساؤلات حول أسباب هذا الاستهداف الإيراني المركّز لدولة الإمارات. وبرز سؤال أساسي في هذا السياق: لماذا الإمارات؟ خصوصاً أن موقف أبوظبي كان واضحاً منذ بداية الأزمة، إذ أكدت رفضها الانخراط في هذا الصراع أو المساهمة في توسيع نطاقه، مع الدعوة المستمرة إلى خفض التصعيد والبحث عن حلول سياسية ودبلوماسية. كما أن حجم الوجود العسكري الأميركي في دولة الإمارات يبقى محدوداً نسبياً مقارنة ببعض دول الجوار.
وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول إن استهداف الإمارات اليوم يرتبط إلى حد كبير بمحاولة استهداف النموذج الإماراتي الناجح نفسه. فدولة الإمارات العربية المتحدة تمثل اليوم أحد أبرز النماذج التنموية المشرفة في المنطقة، خصوصا أنها نجحت خلال عقود قليلة فقط في بناء تجربة اقتصادية وتنموية لافتة، جعلت من مدنها الكبرى، مثل أبوظبي ودبي، نماذج عالمية للمدن الحديثة التي تجمع بين الحداثة الاقتصادية ومستويات عالية من الأمن والاستقرار وجودة الحياة.
ويمكن القول إن هذه النجاحات التي حققتها دولة الإمارات، والمكانة التي وصلت إليها، جعلت البعض، ومن بينهم النظام الإيراني، يشعر بالغيرة والعجز الشديدين: الغيرة من نجاح هذا النموذج العالمي، والعجز عن تقليده أو التشبه به. وهي الأسباب التي جعلتهم، وعند أول فرصة، يحاولون النيل من هذا النموذج الإماراتي الذي يشكل النقيض التام للنموذج الإيراني. فعلى ما يبدو، إن نجاحات دولة الإمارات وما تمثله من إلهام لشعوب دول هذه المنطقة أخطر بكثير بالنسبة للإيرانيين من القضايا الكبرى التي رُفعت شعاراتها خلال نصف القرن الماضي.
اختبار الحرب: 3 تحديات مصيرية
ومع اندلاع هذه الحرب، واجهت دولة الإمارات العربية المتحدة على عجل عدداً من التحديات الرئيسية للحفاظ على نموذجها المميز، لكنها تمكنت من التعامل معها بكفاءة عالية.
- فكان التحدي الأول دفاعياً وأمنياً، تمثل في حماية أراضي الدولة وسكانها من تأثير الهجمات المباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت المدن والمناطق الحيوية. وهنا يمكن القول إن القوات المسلحة الإماراتية نجحت بشكل لافت في هذا الاختبار، وأثبتت مستوى عالياً من الجاهزية والاحترافية، مؤكدة قدرتها الكاملة على حماية أراضي الدولة والدفاع عن أمن مواطنيها والمقيمين فيها.
- التحدي الثاني فكان سياسياً وإستراتيجياً، وتمثل في الحفاظ على موقف سياسي متوازن يرفض الانخراط العسكري المباشر في هذا الصراع أو توسيع رقعته من خلال السماح باستخدام أراضي الدولة منصةً لشن عمليات عسكرية ضد إيران. وقد ازداد هذا التحدي صعوبة في ظل الضغوط المتزايدة التي مورست على أبوظبي للدخول بشكل مباشر في هذه الحرب، خصوصاً مع تحول الإمارات إلى أحد الأهداف الرئيسية للهجمات. ومع ذلك، نجحت القيادة السياسية الإماراتية، بحنكة وذكاء لافتين، في امتصاص هذه الاستهدافات الإيرانية والحد من خطورتها، من دون الانجرار إلى صراعات إقليمية لا تنسجم مع طبيعة الدولة ونهجها القائم على الاستقرار والتنمية.
- أما التحدي الثالث، وربما الأعمق، فقد كان إنسانياً ومعنوياً، وتمثل أساساً في الحفاظ على الإنسان والنموذج واستمرار نمط الحياة الذي عُرفت به دولة الإمارات على مستوى العالم. وعلى الرغم من صعوبة هذا التحدي، نجحت أبوظبي، بقيادتها الرشيدة ومواطنيها المسؤولين ومقيميها المؤمنين بقيم الدولة، في تجاوزه. فقد وضعت القيادة جميع إمكاناتها لحماية الإنسان وضمان استمرارية الحياة الطبيعية قدر الإمكان، فيما برزت روح التضامن والتعاضد بين مختلف مكونات المجتمع الإماراتي في مواجهة هذه الظروف الاستثنائية بشجاعة.
الإمارات.. إدارة ذكية للأزمة
بطبيعة الحال، لم تكن عملية التغلب على هذه التحديات مهمة سهلة، خصوصا في ظل ضراوة الاستهدافات وتزايدها، ومحاولة بعض الأطراف الإقليمية استغلال الوضع الراهن والاصطياد في الماء العكر لتشويه سمعة الدولة.
لكن اليوم، وبعد 10 أيام على اندلاع هذه الحرب، لا يمكن القول إلا إن الإمارات تربح مجدداً، إذ أثبتت قدرتها على حماية أراضيها، وإدارة الأزمات بحكمة، والحفاظ على نموذجها التنموي والإستراتيجي في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ المنطقة الحديث.
نعم، الإمارات تربح مجدداً بعدما أثبتت للعالم أجمع أنها لا تزال واحدة من أكثر الدول أماناً في العالم، على الرغم من الاستهدافات الحالية. فحصيلة ضحايا عشرة أيام من الهجمات الإيرانية الغاشمة لم تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وهي تبقى أقل بكثير من حصيلة ضحايا العنف اليومية في الكثير من عواصم الدول الغربية.
نعم، الإمارات تربح مجدداً لأنها أثبتت للعالم أن الإنسان يبقى أولاً وأخيراً في صلب الأجندة الإماراتية، وأنه عماد هذه الدولة الشابة، لذا فقد استثمرت بسخاء في أمنه. فرأينا أفضل أنظمة الدفاع الجوي وأحدث التقنيات تحمي الإنسان في الإمارات، وما مشهد تأمين الطائرات الحربية الإماراتية للطائرات المدنية أثناء إقلاعها وهبوطها إلا دليل واضح على ذلك.
نعم، الإمارات تربح مجدداً بعدما أثبتت للعالم أنها ليست فقط دولة حديثة ومتقدمة ومسالمة، بل دولة متماسكة وقوية أيضاً. وربما هنا يكمن الجواب الحقيقي عن سؤالٍ طُرح منذ بداية هذه الأزمة: لماذا الإمارات؟
لأن هذا النموذج الناجح، المستقر والمزدهر، يبقى بالنسبة للكثيرين مصدر إلهام.. وأحياناً مصدر إزعاج أيضاً.
وكما قال رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد: "الإمارات مغرية وجميلة وقدوة، لكن لا تغشّكم؛ فالإمارات جلدها غليظ ولحمها مرّ، ونحن لا نؤكل".