لا يمكن للإسلام السياسي في الزمن القائم أن يكون جزءا من مسار التطور السياسي والتكنولوجي والاقتصادي الذي يشهده العالم اليوم. ولا يمكن لهذا المكون الأساسي في المجتمعات الإسلامية والعربية تحديدا، على اختلاف مذاهبه أو مدارسه من الراديكاليين إلى الانفتاحيين أن ينخرط بجدية في بناء الدولة الحديثة، وأن يكون جزءا من التحديث الضروري للمجتمعات وخصوصا مع التطور التكنولوجي الحاصل.
الإسلام السياسي فشل مع منطق الدولة الحديثة
العالم، والمنطقة خصوصا، يقفان اليوم على شفير تغيير جذري يمكن وصفه بـ"المخيف" والذي قد يغير قواعد اللعبة إلى الأبد. فالذكاء الاصطناعي ليس تطورا عابرا وليست تكنولوجية جديدة فقط، بل تكنولوجية ثورية بدأت تطرح نفسها كبديل عن الإنسان. إنها أخطر من الثورة الصناعية والثقافية والعلمية التي هزت صورة الدين والكنيسة في الغرب "وحده" آنذاك، لأنها انطلقت من هناك وعاشت هناك. أما الذكاء الاصطناعي فانطلق من الغرب ليشكل موجة تسونامي عالمية قد تطيح بكل شيء نعرفه، وقد يكون المستقبل مختلفا كليا عن ما نعرفه أو تعودنا عليه.
فإذا أردنا أن نفهم المتغير الحاصل، علينا أن نفهم حدوده وتعقيداته من المنظور الإنساني والعلمي والاجتماعي والتاريخي والفلسفي المعاصر وطرح أسئلة جوهرية للنقاش العام ومع النخب عن دور الإنسان في المستقبل وفعاليته، وإنتاجيته، وعلاقته مع الخالق، وحدود وجوده ومعناه في عالم تحكمه الخوارزميات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لنخب الإسلام السياسي أو حتى جمهوره أن يطرحوا هكذا مواضيع للنقاش في وقت عجزهم عن الانخراط الإيجابي في بناء الدول أو حتى تحديثها، أو حتى تحديث خطابهم الديني؟
إن الرواية التاريخية الدينية للبشرية عززت مبدأ تفوق الجنس البشري على باقي المجموعات الأخرى عقلا وجسدا، أما اليوم ومع ما يقال عن استبدال الإنسان بالذكاء الاصطناعي، فهل تصح هذه النظرية بعد؟ خصوصا أن العديد من المفكرين والفلاسفة في الغرب بدأوا مرحلة النقاش الجدي حوّل بقاء الإنسان المتفوق في موقعه على باقي الأنواع، ما قد يغير أسس وجذور المجتمعات، وفي مفهوم الهوية، وفي طبيعة السلطة والمعرفة والعمل. وإذا كان هذا النقاش يشكّل تحديًا للعقل الغربي الحديث، فكيف يمكن أن يتقبله عقل نخب الإسلام السياسي، وخصوصًا تياراته الأصولية والراديكالية.
أكتب هذه الفكرة ليس للنقاش وليس لطرح تحول المجتمعات وعلاقة الإنسان مع الدين أو الخالق. ولكن وبكل بساطة وربما سذاجة لطرح سؤال جدي عن قدرة الإسلام السياسي على التفكير المعمق في هذه المسأل بواقعية وشفافية القادمة على مجتمعاتنا لا محالة؟ وهل قادر على التحول والتكييف معها؟ وأن يقدم أجوبة مقنعة عن العديد من الاسئلة المختلفة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وخصوصا أنه تيار اجتماعي رفضي للتطور والدولة والمؤسسات وربما الحداثة.
إن الإشكالية لا تكمن فقط في طبيعة الأسئلة، بل في طبيعة المشروع نفسه. فهذا التيار، تاريخيا، فشل في التكيّف مع منطق الدولة الحديثة، ومع مفهوم المواطنة، ومع فكرة العقد الاجتماعي، ومع حياد المؤسسات. ومع ذلك، لا يزال يطالب بالحكم انطلاقًا من مقولة "الحاكم مسؤول". لكن هل يمتلك فعلًا هذه المسؤولية؟ وهل يملك الجرأة الفكرية والسياسية لفتح هذا النقاش الوجودي اليوم، وقيادة تحوّل حقيقي بدلا من الاكتفاء بالصراع على السلطة.
من هنا لا يوجد اختلاف فيما يخص الصراع القديم القائم على السلطة بين الإسلام السياسي والمجموعات الأخرى سواء كانت عربية أو وطنية أو ليبرالية. لقد خاضت منطقة الشرق الأوسط جولات وصولات من الصراع بين هذين التيارين منذ تأسيس الدولة الحديثة إن لم نقل حتى من قبلها. من الواضح رغم ضعف الأداء، أن تيار الدولة والمؤسسات الحديثة غالبا ما يعمل على تطوير ذاته وأفكاره إما من الداخل أو من خارج هذه الإيديولوجيات. وهذا لا ينفي أن هذا التطور بطيء، وقد يكون غير مجد في بعض الأحيان. ولكن على عكس تيارات الإسلام السياسي، التي استغلت التكنولوجيا وفشلت في الحداثة، إلا أن رفضها الانخراط في بناء الدول وتحديثها يضعها في موقع الضعف لا القيادة.
الإسلام السياسي قوة الدفع إلى الوراء
اليوم، يبدو المشهد المقبل من الشرق الأوسط قاتما، مخيفا، ومتغيرا على نحو غير مسبوق. تحولات جذرية، رسم خرائط وحدود، أقليات تنتفض، تاريخ يُمحى، أنظمة تختفي وغيرها على طريق السقوط، الطائرات العسكرية في السماء لا تهدأ، حروب داخلية، تدخلات خارجية، أزمات اقتصادية، إرهاب، قرصنة، وغيرها من الظواهر المدمرة. وبدلا من الانخراط في بناء الدول العصرية لمواجهة التحديات، وفي ظل هذا المشهد المدمر، لا ينفك الإسلام السياسي عن محاربة الدولة ومؤسساتها سعيا للوصول إلى السلطة حتى لو كان على حساب الجغرافيا والدول والمؤسسات والشعوب والإسلام نفسه.
إذا نظرنا إلى خارطة الصراع الداخلي أو الخارجي الحديث من منظور تاريخي معاصر في الشرق الأوسط، يبقى الإسلام السياسي القوة لأكثر جذبا أو حتى دفعاً للمواجهة المسلحة للوصول إلى السلطة أو الدفاع عنها (إذا كانت في موقع سلطة) ضاربة بعرض الحائط الدستور والتنوع والهوية الوطنية والمؤسسات وحتى النظام العام.
من السودان إلى اليمن وسوريا ولبنان والعراق ومصر وليبيا وحتى المغرب، تبقى المواجهة محتدمة حتى لو لم تكن دائماً عسكرية. ومعركة الوصول إلى السلطة معركة مستمرة، وتُعاد صياغتها بأشكال مختلفة، لكنها لا تتوقف اليوم لا تكاد توجد دولة في الشرق الأوسط لا تواجه خطر سقوط السلطة، وفي بعض الأحيان سقوط الدولة نفسها في أيدي تيارات الإسلام السياسي. غير أن التجارب التي خضعت فيها هذه التيارات للسلطة كما في إيران، أو اليمن، أو السودان، أو مصر سابقًا، وغيرها لم تُنتج نموذجًا ناجحًا في بناء الدول أو تطويرها أو تحديثها. بل على العكس أعطت مثالاً معاكسا عن التشبث بالحكم والدفاع عنه وتدمير الموسسات والقتل والاغتيالات حتى لو أدخلت البلاد في الحروب الأهلية والدمار وعلى حساب الشعوب وتطويرها.
للأسف، ومن المؤلم قول ذلك، علمتنا التجارب أنه لا يمكن الإسلام السياسي أن يتعايش مع محيطه ولا مع أبناء بلده، ولا حتى مع خصومه. والأخطر من ذلك أنه غير قابل لتطوير نفسه أو لمواكبة التحولات التاريخية والاجتماعية. فإذا نظرنا إلى الحقبة الممتدة من مرحلة الربيع العربي إلى اليوم، يبقى الإسلام السياسي قوة الدفع إلى الوراء، وبدلا من أن تنهض الشعوب والدول في بناء الموسسات والثقافة والاقتصاد والتنمية والتطور بعد التحرر من الدكتاتوريات، أدخلنا الإسلام السياسي في معركة جانبية أنهت حلم الملايين الجامع على اختلاف الإيديولوجيات، إلى حلم هذه المجموعات فقط.
في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الصراع على السلطة وحده هو السؤال المركزي، بل أصبح السؤال الأعمق هو: من يملك القدرة على فهم هذا التحول، والتكيّف معه، وقيادة الشعوب والدول بمسؤولية؟ إن التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية لا يمكن مواجهتها بخطابات رجعية أو تصورات مغلقة أو مشاريع إقصائية. فبناء الدولة الحديثة لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية غير قابلة للنقاش. ومن دون مراجعة جذرية داخل تيارات الإسلام السياسي، مراجعة تعترف بفشل التجربة، وتعيد تعريف العلاقة مع الدولة والمجتمع والدول والعصر، ستبقى هذه التيارات جزءًا من المشكلة لا من الحل. المستقبل لن ينتظر أحدًا، ومن لا يملك الجرأة على التغيير، سيجد نفسه خارج سياق التاريخ والزمان والمكان، لا في قلب صناعته.