مع اختتام الجولة 20 من محادثات أستانة في العاصمة الكازخستانية، يبدو أنّ المسار الذي وُجد أساسا لتقريب وجهات النظر بين الحكومة والمعارضة السورية، وإيجاد حل سياسي يرضي كل الأطراف، بما فيهم الدول الضامنة لهذا المسار (روسيا، تركيا وإيران)، تحوّل إلى جولة محادثات لتطبيع العلاقات السورية-التركية.
يعاود إردوغان نشاطه وتركيزه على أهم الملفات بالنسية لولايته الجديدة، والمتمثلة في الاقتصاد من جهة، والعلاقات مع سوريا من جهة أخرى، في وقت يشكل فيه اللاجئون السوريون انقساما شعبيا حادا، ظهر بشكل واضح خلال فترة الانتخابات الماضية التي لم تشهد مثلها الجمهورية التركية منذ تأسيسها عام 1923.
تختلف أنقرة ودمشق في أغلب الملفات، لكنهما يتفقان في رفضهما الشديد لقيام كيان كردي تحت مسمى "إدارة ذاتية"، ففي الوقت الذي لا يمكن لدمشق أن تتخلى عن فكرة السيادة على كل الأراضي السورية، ترى أنقرة في وجود كيان كردي على حدودها، خطرا يهدد أمنها القومي، وليس ذلك فحسب، بل تبدو تركيا بقيادة إردوغان أنها مستعدة لفعل أيّ شيء مقابل عدم وجود الأكراد على حدودها.
ظهر هذا التوافق السوري-التركي في الملف الكردي، ضمن البيان الختامي لجولة أستانة، والذي أشار إلى رفض جميع المحاولات الرامية إلى خلق حقائق جديدة "على الأرض"، بما في ذلك المبادرات غير القانونية بشأن "الحكم الذاتي"، بحجة مكافحة الإرهاب، ومواصلة التعاون من أجل مكافحة الإرهاب، ومواجهة الخطط الانفصالية الرامية إلى تقويض سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية، وتهديد الأمن القومي لدول الجوار، في إشارة واضحة إلى الأكراد.
التطبيع السوري التركي
أدركت تركيا أنه يجب التعامل مع الحكومة السورية مجددا، وأنه لا يمكن معاداتها كالسابق، خصوصا بعد احتضان الإمارات العربية المتحدة والسعودية، لدمشق، وإعادتها إلى جامعة الدول العربية، في الوقت الذي لا يريد فيه الرئيس التركي المعروف بحنكته في تدوير الزوايا، أن يعارض المساعي الخليجية في إعادة الاستقرار لسوريا من جهة، وحاجته إلى دمشق لإعادة اللاجئين السوريين من جهة ثانية.
خلال السنوات الماضية حاولت تركيا بشتى الوسائل القضاء على الإدارة الذاتية في شمال شرقيّ سوريا، حتى أنها شنت عمليات عسكرية عدة داخل الأراضي السورية، من أجل هذا الهدف، وتكبدت الكثير من الخسائر المادية والمعنوية، لكن في ظل الدعم الأميركي المستمر للأكراد، يبدو أنّ إردوغان يتّبع مسارا مختلفا، يعتمد بشكل أساسي على صديقه الروسي فلاديمير بوتين.
في هذا الصدد يقول الباحث التركي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط إسلام أوزكان، في حديث إلى منصة "المشهد"، إنّ "العقل البيروقراطي والحكومي في تركيا، ينظر إلى القضية الكردية كمسألة أساسية، وتهديد حقيقي لوحدة البلاد ليس في السنوات القليلة الماضية فحسب، بل منذ عقود، لهذا فإنّ الأزمة التي مرت بها سوريا، أعطت تركيا فرصة لمكافحة وحدات حماية الشعب الكردية".
ويضيف أوزكان، "في البداية، التهديدات القادمة من سوريا أرعبت الحكومة التركية، ولكن في ما بعد، تم إبعاد هذا التهديد جزئيا من الحدود، بفضل العمليات العسكرية التي قامت بها تركيا. في هذا الإطار، تريد تركيا تقوية الحكومة المركزية في دمشق، وتقويض الأكراد، لكنها ليست متأكدة من صدق الحكومة السورية في هذا الشأن".
وبرأي الباحث التركي أنّ تركيا "ربما تخشى من استخدام الأكراد ضدها في الأوقات القادمة، كما كان الحال في التسعينيات، وبالتالي كلما تم تقليل الشكوك في المحادثات، كلما حقق الجانبان المزيد من التقدم".
وحول مسار التطبيع يرى أوزكان، أنّ "فوز إردوغان وعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، عاملا راحة لكلا الجانبين، وبالتالي ستكون المحادثات أصعب في الفترة المقبلة، والجانب السوري يطلب انسحابا عاجلا من تركيا، ولا يقبل بانسحاب جزئي أو طويل الأجل.لذلك، قد يستغرق التطبيع النهائي وقتا أطول ممّا نتوقع".
مسار جديد بديل عن أستانة
في ظل رعايتها لمسار التطبيع السوري-التركي، واستضافتها لجولة المحادثات بين الجانبين، وبصفتها دولة ضامنة في مسار أستانة، صرح المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف، خلال مؤتمر صحفي في ختام الجولة 20 من مباحثات "أستانة"، أنّ هذه الصيغة أثبتت فاعليتها وستتواصل بمكان معيّن، وأنه سيتم لاحقا تحديد مكان جديد لمواصلة الاجتماعات حول سوريا، وفي وقت سابق أعلنت موسكو عن خريطة طريق للتطبيع بين سوريا وتركيا، لكن لم يتم الكشف بشكل واضح عن تفاصيلها.
الإعلان الروسي يُبرز تكهنات حول إمكانية إشراك أطراف عربية في مسار حل الأزمة السورية، كبديل عن مسار جنيف الدولي، مع الالتزام بالقرار 2254 لكن بالطريقة التي أعلنها العرب في جامعة الدول العربية (خطوة مقابل خطوة)، والتي وافقت عليها دمشق.
وفي هذا الإطار، يبيّن الكاتب والباحث السوري محمد نادر العمري في حديثه إلى منصة "المشهد"، أنّ "خريطة الطريق التي تحدثت عنها روسيا، تتضمن احتواء مخاوف سوريا وتركيا، لكنها تصطدم بعاملين، الأول هو أحقيّة الدولة السورية بمطلبها المتمثل بانسحاب القوات التركية كأساس حقيقي ومتين للتطبيع، ثانيا هو محاولة النظام التركي المراوغة في استمرار وجود قواته في سوريا، تحت مسمّى مكافحة الإرهاب، والتي يُقصد بها القوات الكردية".
ويحسب العمري فإنّ "الخريطة الروسية ستكون قائمة على مراحل متلاحقة، وتتضمن تنفيذ تركيا لبعض التزاماتها، وبناء الثقة مع دمشق عبر خطوات مثل الانسحاب من الطريق الدولي M4، وتسليم بعض الخرائط في ما يتعلق بانتشار التنظيمات المسلحة، وإرسال عدد من اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وفتح المعابر الاقتصادية، والاتفاق على جدول زمني للانسحاب التركي من الأراضي السورية، وفق الرعاية الروسية الإيرانية".
المعارضة في موقف حرج
على الرغم من تلقّي المجموعات المسلحة في شمال سوريا تطميناتٍ تركية، أنها لن تتخلى عنهم أو تسلّمهم إلى الدولة السورية، إلا أنّ هذه المجموعات متخوفة من أيّ تقارب سوري -تركي قد يحصل، خصوصا أنّ تركيا هي الباب الوحيد لهذه الفصائل على العالم الخارجي، لذلك تحاول هذه الجماعات البحث عن حلول تناسبها بعيدا عن خضوعها لدمشق.
وباعتبار أنّ الفصائل المسلحة في الشمال، جزء من المشروع الإسلامي الذي رُسم للمنطقة، فمن المنطقي أن يكون لهما المصير ذاته، وبما أنّ المشروع الإسلامي الذي بدأ من مصر عند استلام الإسلاميين للسلطة عام 2012 فشل، من المستبعد أن يكون لهذه الفصائل أيّ مستقبل في الحياة السياسية في سوريا كما كانوا يخططون طوال السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار يشرح العمري، أنّ "المعارضة كانت دائما بيدقا لتنفيذ أجندات الخارج، اليوم هناك فرصة أمامها لإعادة هيكلتها والدخول في مباحثات مع الدولة السورية، وعدم الرهان على الدول الخارجية، ويجب عليها إدراك أنّ مصالح الدول تختلف عن مصالح الأشخاص أو الأحزاب أو القوى الصغيرة".
ويتابع العمري، "قد يتم تحييد المعارضة في الفترة المقبلة، أو يكون استبدال لها، وما شهدناه في اجتماعها في جنيف مؤخرا، كان بهدف إعادة ترتيب صفوفها، والبحث عن داعمين جدد بعد التغييرات المتسارعة التي تحدث في المنطقة. ومن هذا المنطلق نلاحظ أنّ المعارضة اليوم تتلقى الدعم من الولايات المتحدة الأميركية فقط، التي قد تتخلى عنها كما حصل في أفغانستان، وبالتالي اليوم خيارات المعارضة ضيّقة جدا، وأفضل خيار لها هو دخولها في مباحثات مع الدولة السورية" .