وخلال بضعة أشهر فقط، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسيطرة على غرينلاند، ونفذ عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها ونقله إلى نيويورك لمحاكمته، قبل أن يطلق حربا ضد إيران بهدف تفكيك برنامجها النووي والصاروخي وإسقاط نظامها.
رؤية من زمن آخر
ويرى أنصار ترامب في هذه الخطوات دليلا على القوة، بينما يصفها منتقدوه بالمغامرة، لكن المشكلة الأعمق، حسب منتقدي هذه السياسة، تكمن في أنها "تعكس رؤية للعالم تعود إلى زمن مضى".
وينظر ترامب إلى القوة بمنطق جيوسياسي تقليدي، شبيه بما كان سائدا في القرن 19 حسب التقرير.
وتقوم هذه الرؤية على السيطرة على الأراضي، والتحكم في موارد الطاقة، وفرض الهيمنة العسكرية على الخصوم.
والأهداف تبدو واضحة، السيطرة على طرق القطب الشمالي، والتحكم في النفط، وإضعاف الأنظمة المعادية.
غير أن هذا المنطق، رغم ما يحمله من قدر من الواقعية، ينتمي إلى عالم مختلف عن عالم اليوم حسب التقرير.
وما يغيب عن هذا التصور الاستراتيجي هو العناصر التي ستحدد موقع الولايات المتحدة وقوتها خلال العقود المقبلة، مثل سلاسل توريد أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وصناعات الطاقة النظيفة، وتنمية القوة العاملة الأميركية، إضافة إلى بناء شبكة اقتصادية وتكنولوجية متحالفة قادرة على منافسة الصين.
ولا يمكن تحقيق التفوق في صناعة الرقائق الإلكترونية بالقصف العسكري حسب التقرير، ولا بناء سلاسل توريد مستقرة عبر الإكراه العسكري.
مكانة القوة العسكرية
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية القوة العسكرية أو تجاهل طبيعة النظام الإيراني، فالقوة الصلبة تبقى عنصرا مهما في الاستراتيجية الأميركية.
لكن السؤال الأساسي حسب التقرير، هو ما إذا كانت هذه القوة تُستخدم كجزء من استراتيجية متكاملة للأمن القومي، أم كبديل عنها.
ويبدو، حسب منتقدي إدارة ترامب، أن ما يجري أقرب إلى الحالة الثانية، أي ضربات جوية من دون هدف استراتيجي واضح، ودبلوماسية بلا غاية محددة، وإجراءات قسرية من دون بناء تحالفات قوية.
وهذا التوجه يخلق حسب التقرير مشكلة أكبر تتعلق باستنزاف الموارد والاهتمام السياسي، فكل دولار يُنفق في العمليات العسكرية في الخليج، وكل جهد سياسي يُكرَّس لإدارة حرب مفتوحة، يعني موارد أقل للاستثمار في تنفيذ قانون دعم صناعة الرقائق الإلكترونية، وتمويل أبحاث الذكاء الاصطناعي، أو توسيع أدوات النفوذ الاقتصادي الأميركي عالميا.
وفي الوقت نفسه، تراقب الصين التطورات بهدوء، وتواصل استراتيجيتها الطويلة الأمد القائمة على التوسع الاقتصادي والتكنولوجي، بينما تبدو الولايات المتحدة وكأنها تعود إلى دبلوماسية "الزوارق الحربية" التقليدية.
نتائج غير حاسمة
كما أن هذه مقاربة ترامب لا تحقق أهدافها حتى وفق معاييرها الخاصة حسب التقرير، ففي يونيو 2025 أعلن الرئيس أن الضربات الأميركية "دمرت بالكامل" البرنامج النووي الإيراني، لكنه عاد لاحقا ليبرر هجوما جديدا بالقول إن إيران أعادت بناء برنامجها النووي.
ووفق تقييم أولي لوكالة استخبارات الدفاع الأميركية، فإن الضربات السابقة ربما أخرت البرنامج الإيراني "عدة أشهر فقط"، في حين أشار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي إلى أن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم "خلال أشهر".
وكشف وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي عن تقدم دبلوماسي قبل اندلاع الحرب بيوم واحد، إذ وافقت طهران على عدم تخزين اليورانيوم المخصب والسماح برقابة كاملة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع ذلك، اندلعت الحرب.
وتقدم تجربة فنزويلا مثالاً آخر على محدودية النتائج حسب التقرير، فرغم العملية العسكرية واعتقال الرئيس، لا تزال الحكومة قائمة، كما لم تتعهد شركات النفط الكبرى بالاستثمار في البنية التحتية المتدهورة التي قد تتطلب سنوات طويلة وعشرات الملايير من الدولارات لإعادة تأهيلها.
وفي حال تحقق هدف تغيير النظام في إيران، فإن التحديات قد تكون أكبر بكثير حسب المجلة، فسقوط النظام قد يحمل بعض الإيجابيات، لكنه سيضع على عاتق الولايات المتحدة مسؤولية إعادة بناء دولة تضم نحو 90 مليون نسمة، وإدارة بقايا برنامجها النووي، واحتواء "الحرس الثوري" وشبكاته الإقليمية، إضافة إلى تحقيق الاستقرار في شرق أوسط قد يزداد اضطرابا.
وهو السيناريو حسب التقرير، يذكّر بتحذير وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول للرئيس جورج بوش قبل غزو العراق عام 2003 "إذا حطّمته، فسوف تمتلكه".
ويخشى كثيرون حسب مجلة ناشيونال إنترست، أن يكون هذا الدرس لم يُستوعب بعد.