لا تمل ولا تكل السلطات في مصر من بذل قصارى جهدها في سبيل العمل على توفير العملة الصعبة التي تواجه نقصاً كبيراً داخل البلاد خصوصا مع تصاعد وتيرة التضخم الحاصل وعدم توصلها لاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويلات مباشرة بقيمة 3 مليارات دولار ضمن تسهيلات ائتمانية تفوق 9 مليارات دولار في جذب استثمارات أجنبية كبيرة لأسواق الأوراق المالية في البلاد.
آخر هذه الجهود كانت المبادرة التي أطلقتها وزارة الخارجية المصرية لتسوية الموقف التجنيدي للمصريين العاملين بالخارج المتخلفين عن أداء الخدمة العسكرية قبل سفرهم.
مبادرة الخارجية المصرية تنص على تسوية أوضاع المسافرين في سن التجنيد اعتبارا من سن 19 وحتى 30 عاما وكذا ممن تجاوزوا سن 30 عاما لتسوية موقفهم التجنيدي طبقا للموقف، ويستلزم سداد مبلغ مالي يدفع بالعملة الأجنبية قدره 5000 دولار أو يورو وأكدت الخارجية في مبادراتها أنه لن يُسمح بتجديد جوازات السفر للمصريين المقيمين بالخارج إلا بعد تسوية مواقفهم من التجنيد.
وبحسب وزارة الخارجية فإن التسجيل في تلك المبادرة سيبدأ يوم 14 أغسطس المقبل وسيستمر التسجيل لمدة 30 يومًا على الموقع الإلكتروني الخاص بوزارة الخارجية.
ويعد التجنيد داخل الدولة المصرية إجبارياً على كافة الذكور الذين بلغوا سن 18 حتى 30 عاماً حيث يتطلب كل من بلغ سن 18 التوجه إلى التجنيد باستثناء الحالات المعفاة من التجنيد المؤقت والنهائي ويتم اختيار الرجال الأكفاء منهم وإلحاقهم بالقوات المسلحة أو بقطاع الشرطة.
ووفقاً لقانون التجنيد في مصر فإن مدة الخدمة العسكرية الالزامية 3 سنوات وتخفض هذه المدة على النحو التالي:
- عام واحد لخريجي الكليات والمعاهد العليا في جمهورية مصر العربية أو ما يعادلها في الخارج.
- عامان لحاملي الشهادات المتوسطة وفوق المتوسطة أو أي شهادة أخرى معادلة من الخارج على أن يتقاضوا راتباً شهرياً كاملاً والتخلف عن التجنيد في سن القانون جريمة يعاقب عليها القانون المصري بالحبس أو الغرامة.
تفاصيل وكواليس المبادرة
مسؤول الإعلام بوزارة الهجرة المصرية رضا شويخ كشف لمنصة "المشهد" عن كواليس هذه المبادرة، حيث أوضح عن اجتماع تم عقده للجنة التنسيقية العليا والمكونة من وزارات الخارجية والدفاع والهجرة وذلك للتباحث حول وجود حلول عاجلة وجذرية للعقبات التي تواجه الكثير من المصريين الذين سافروا من دون أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، والتي كانت تتمثل في عدم استطاعتهم مغادرة البلاد مرة أخرى حينما كانوا يرغبون في العودة إلى مصر لقضاء إجازاتهم الخاصة، بسبب عدم التصريح لهم بالسفر كونهم مطلوبين للخدمة العسكرية أو عدم إنهاء موقفهم التجنيدي.
وأوضح أن اللجنة قامت بدراسة أحوال هؤلاء المواطنين وعلمت أن بعضهم مرتبط بعمل والبعض الأخر مرتبط بالدراسة والعلاج بالخارج وارتأت اللجنة في نهاية الاجتماع إلى ضرورة وجود تسوية تنهي بشكل تام هذه المشكلة، وتم التوافق بين أعضاء اللجنة على إلزام المسافر دفع مبلغ مالي بالعملة الصعبة سواء الدولار أو اليورو قيمته 5000 ويسدد على حساب بنك مصر فرع أبوظبي إضافة إلى عدم السماح بتجديد جوازات السفر للمصريين المقيمين بالخارج إلا بعد تسوية مواقفهم من التجنيد.
عوائق كثيرة تواجه المصريين بالخارج بسبب عدم تأدية فترة التجنيد
وأوضح شويخ لـ"المشهد" أن القوانين في مصر تحظر إتمام المعاملات الرسمية لأي رجل مصري مطلوب للخدمة العسكرية الإلزامية ولم يحصل على إعفاء من الخدمة أو إذن بالتأجيل أو يؤدي الغرامة التي تفرضها عليه المحكمة العسكرية ما يجعل الكثير من المصريين في الخارج غير قادرين على إتمام معاملاتهم الرسمية وعلى رأسها استخراج وتجديد الوثائق الرسمية بسبب الموقف من التجنيد إذا عمدت وزارة الهجرة بالتنسيق مع وزارتي الدفاع والخارجية على تقديم كافة التيسيرات لأبناء الوطن المقيمين بالخارج بهدف تحقيق استقرار الحالة الاجتماعية لهم والعمل على حلحلة المشكلات وإزالة العقبات التي تواجههم بشكلٍ طارئ.
من جهته، وصف السفير جمال بيومي المساعد السابق لوزير الخارجية المصري المبادرة بالجيدة ورجح أن توافق وزارة الدفاع على تكرار المبادرة مرة أخرى في مرحلة لاحقة كون أن هناك مصريين في الخارج لن تكفي دخولهم لتدبير هذا المبلغ خلال المدة الممنوحة وهي 30 يوماً.
دفعة واحدة من دون أقساط
وكشف السفير جمال بيومي عن أن من حدد الرسوم المطلوبة والبالغة (5000) دولار أو يورو وطريقة دفعها هي وزارة الدفاع بالتعاون مع وزراة المالية، موضحاً أن هذه الرسوم يجب أن تسدد دفعة واحدة من دون أقساط أو تسهيلات، رافضاً اعتبار المبلغ "كبيراً" لأنه في رأيه بمثابة "غرامة تهرب من التجنيد" أو أشبه بما يكون "بنظام البدل النقدي للإعفاء من التجنيد الإجباري" والذي كان معمولاً به من قبل.
المبادرة لن تحقق عائدا اقتصاديا كبيرا
ومن جهته، رأى المتخصص في الشأن الاقتصادي بصحيفة "الأهرام" هاني نصر أن هذه المبادرة كغيرها من المبادرات التي تطلقها الدولة من حين لأخر من أجل العمل على توفير المزيد من النقد الأجنبي الذي يواجه شحاً غير مسبوق ويتسبب في خلق العديد من الأزمات الاقتصادية.
وأشار هاني نصر لـ"المشهد" أن هذه الخطوة قد تسهم في توفير العملة الأجنبية لكن لن تحقق أرقاماً كبيراً كما يظن البعض لأن الهدف الأساسي منها هو حل مشكلات المصريين بالخارج فيما يخص "التجنيد" وبالتالي فهي ليست مبادرة اقتصادية بحتة لكن جزء منها سيسهم بكل تأكيد في جلب العملة الصعبة.
ارتياح المصريين العاملين بالخارج
من ناحية أخرى، استطلعت "المشهد" أراء بعض المصريين العاملين بالخارج حول هذه المبادرة، حيث قال محمود كمال وهو شاب يبلغ من العمر 28 عاماً إن هذه المبادرة التي أطلقتها وزارة الخارجية تعتبر طوق نجاة بالنسبة له.
واستطرد قائلاً: "أعيش في إيطاليا منذ أكثر من 5 أعوام ولم أستطع النزول إلى مصر منذ ذلك الوقت خوفاً من الملاحقة الأمنية بسبب عدم تأدية الخدمة العسكرية وبالتالي فإن هذه المبادرة جيدة للغاية وستعمل على إنهاء مشكلتي التي أرّقتني كثيراً طيلة هذه الأعوام".
مطالب بتخفيض مبلغ التسوية
لكن محمود كمال عبر عن عدم ارتياحه لمبلغ التسوية التي أعلنت عنه الخارجية المصرية وهو 5000 دولار، حيث أكد أن هذا المبلغ كبير للغاية بالنسبة له وسيجد صعوبة في توفيره نظراً لوجود التزامات أخرى عديدة عليه خصوصا وأنه يعيش بمفرده.
وأشار إلى أنه لا يتقاضى راتبا كبيرا في عمله الذي يقوم به ومن ثم طالب الجهات المعنية في مصر بتخفيض هذا المبلغ لكي يستطيع توفيره وبالتالي تنتهي مشكلة تجنيده بشكل نهائي ويحقق حلمه في العودة إلى مصر ورؤية أهله ويعود مرة أخرى بشكل آمن ومن دون أي ملاحقات قانونية.
وتأتي مبادرة وزارة الخارجية هذه للسماح بالإعفاء من التجنيد لمن يؤدي المبلغ المحدد (5000 دولار أو يورو) في ظل أزمة كبيرة في العملة الاجنبية تعانيها الدولة المصرية دفعتها لإطلاق مبادرات متلاحقة عدة خلال الأيام الماضية لجمع أكبر قدر ممكن من الدولار في وقت قصير والتي كان أخرها إعلان البنكين الحكوميين الأكبر (الأهلي ومصر) عن مبادرة لفتح شهادات للعملاء بأسعار فائدة تراوح بين 7 و9% شريطة الإيداع بالدولار لمدة 3 سنوات.