يواجه المرشد الأعلى الإيراني الجديد هجوما خارجيا واسع النطاق وغضبا داخليا متزايدا، في وقت بات فيه دعم التيار المتشدد الذي ساند الزعيمين السابقين للجمهورية الإسلامية أقل وضوحا من ذي قبل.
نجا مجتبى خامنئي، الذي يتمتع بنفوذ كبير داخل الحرس الثوري الإيراني وشبكاته التجارية الواسعة، من الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران، التي قُتل فيها والده علي خامنئي قبل أكثر من أسبوع.
وبث التلفزيون الرسمي لقطات لمؤيدي إيران يحتفلون في الشوارع بعدما اختار مجلس ديني من غلاة المحافظين، هو مجلس الخبراء، مجتبى في وقت متأخر من أمس الأحد زعيما أعلى لإيران.
لكن مقابلات أجرتها "رويترز" مع 3 أعضاء في قوة "الباسيج" شبه العسكرية، بالإضافة إلى إيرانيين من عامة الشعب ومسؤولين ومطلعين ومحللين سياسيين، تشير إلى قاعدة دعم أقل بكثير مما كانت تتمتع به طهران في الماضي.
وقال أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت آندروز في بريطانيا علي أنصاري: "تكمن إستراتيجية اختيار شخصية متشددة كزعيم جديد في توطيد القاعدة الشعبية، لكنهم في النهاية يجدون أنفسهم أمام دائرة تتضاءل من المؤيدين".
وأضاف: "وكلما طال هذا الوضع، ازداد تفكك هذه القاعدة".
نشأت الجمهورية الإسلامية من رحم ثورة عام 1979 التي دعمها ملايين الإيرانيين، لكن عقودا من الحكم اتسمت بالفساد والقمع وسوء الإدارة قوضت هذا الدعم، ونفور الكثير من عامة الشعب.
ومع ذلك، لا تزال هناك نواة صلبة من الموالين، وهم من لا يتخلفون عن الإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع لدعم النظام ويخرجون إلى الشوارع لقمع احتجاجات المعارضة.
وقالت الطالبة الجامعية زهرة ميرباقري (21 عاما) من طهران: "أنا سعيدة جدا لأن مجتبى خامنئي هو زعيمنا الجديد. شكل ذلك صفعة في وجه أعدائنا الذين ظنوا أن النظام سينهار بمقتل والده. سيستمر نهج قائدنا الراحل".
ولا يزال الموالون يشكلون عقبة كبيرة أمام أي آمال أميركية أو إسرائيلية في تغيير النظام بفضل تنظيمهم المحكم وقدرتهم السريعة على التعبئة.
وقال مهدي راستجاري (32 عاما) معلم الدين والعضو في "الباسيج": "قدمنا كثيرا من الشهداء. ضحوا بأنفسهم من أجل قائدنا. الآن يجب أن نظهر أن مسار القائد خامنئي مستمر".
وأضاف: "سنضحي بأرواحنا من أجله".
تراجع الدعم
رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق ترشيح مجتبى لمنصب المرشد الجديد لإيران، وقالت إسرائيل إنها ستستهدف أي شخص يتولى قيادة إيران.
وعندما سألت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" ترامب عن ترشيح مجتبى، اكتفى بالقول: "سنرى ما سيحدث".
وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة أظهرت النتائج الرسمية أن المرشح الأكثر تشددا سعيد جليلي فاز بنحو 9 ملايين صوت في الجولة الأولى و13 مليونا في الـ2، وهو رقم لا يشكل سوى جزء ضئيل من 61 مليون إيراني لديهم حق التصويت.
ومع ذلك، أثار القصف المستمر مخاوف من الفوضى والقمع بين أولئك الذين يأملون في التغيير.
شبكة سيطرة
بعد مقتل المرشد الإيراني في اليوم الأول من الحرب وظهور تصدعات داخل هرم السلطة في البلاد، ستشهد المرحلة الحالية اختبار مدى استمرار دعم غلاة المحافظين لإيران على نحو لم يحدث من قبل.
ويمثل رجال مثل راستجاري عضو قوات "الباسيج" شبكة من النفوذ تمتد من مكتب الزعيم الأعلى الذي دمرته القنابل في وسط طهران إلى كل قرية وحي في المدن.
وفي كل ليلة منذ وفاة خامنئي، يقيم غلاة المحافظين مراسم حداد عليه بدعم من الدولة رغم القصف الذي يمطر البلاد بالصواريخ والقنابل.
ومن بينهم متدينون للغاية على "استعداد للموت لنيل الشهادة من أجل إيمانهم الراسخ بضرورة تولي مرجع ديني الحكم"، وآخرون لديهم دوافع أكثر انتهازية استفادوا من تأيدهم للنظام.
ويفرغ عضو الباسيج علي محمد حسيني، من عمله في متجر البقالة المملوك لوالده في مدينة قم ويذهب لقضاء المساء في حراسة نقاط التفتيش لردع أي بوادر للمعارضة الشعبية.
وقال الشاب البالغ من العمر 29 عاما: "القضية الأكثر أهمية هي الحفاظ على النظام، وهو ما يستهدفه الأميركيون"، مضيفا أنه سيدعم أي رجل دين يحل محل خامنئي معتبرا ذلك "واجبا دينيا" هو على استعداد للموت في سبيله.
لكن ليس لدى الجميع هذا القدر من الالتزام إذ قال عضو آخر في "الباسيج"، طلب أن ينشر اسمه الأول فقط وهو حسن وموقعه في مدينة مشهد، إنه يشك في صمود الجمهورية الإسلامية وبقائها.
وأضاف: "علينا أن نكون واقعيين"، مشيرا إلى الضغط المستمر من الولايات المتحدة والآثار المدمرة للغارات الجوية.
ويتمتع أعضاء "الباسيج" وغيرهم ممن يظهرون ولاءهم للنظام منذ عقود بامتيازات تشمل مواقع تفضيلية في الجامعات وعروض عمل وقروضا بنكية مدعومة، لكن انهيار الاقتصاد ربما ينهي هذه المزايا.
وقال حسن (29 عاما): "لم يعد لدينا حتى مطارات. ولا موانئ. كيف سيتمكنون من إعادة بناء هذا الاقتصاد؟".