زيارة رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الاثنين، في البيت الأبيض، حملت "تكهنات عديدة" وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، مشيرين إلى خصوصية جيوسياسية وأمنية وتاريخية رافقت تفاصيل وملابسات اللقاء.
وبحسب المراقبين، فإن مسألة تعليق العقوبات على سوريا التي ذكرتها الخزانة الأميركية بموجب قانون "قيصر" لا تعدّ "الحدث المفصلي"، فهو تعليق جزئي لمدة 180 يوما، إنما هي استكمال إلى ما يمكن وصفه بسياسة "خطوة مقابل خطوة".
وقرار الخزانة الأميركية الذي استثنى بعض المعاملات التي تتضمن روسيا وإيران، يحل مكان الإعفاء السابق الصادر في مايو الماضي، والذي يقضي بتخفيف العقوبات عن سوريا.
التقارب السوري الأميركي
في حديثه لـ"المشهد"، عزا المختص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة فلوريدا إرك لوب، جميع "التكهنات" التي رافقت زيارة الشرع والإعلان عن لقاء الرئيس دونالد ترامب إلى الخصوصية الجيوسياسية لسوريا وما يتصل بها من أهمية وتعقيدات أمنية وإقليمية، لافتًا إلى ما يرتبط بذلك من تداعيات تفسر "التقارب الأميركي السوري مؤخرًا ومسعى واشنطن لإبقاء دمشق خارج دائرة نفوذ منافسيها الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم إيران وروسيا".
وقد ساهمت أطراف إقليمية، في توجيه الموقف الأميركي بهذا الاتجاه، عبر توقيع اتفاقات اقتصادية بمليارات الدولارات مع حكومة الشرع، في محاولة لاحتوائها واستمالتها سياسيًا واقتصاديًا، وفق لوب، موضحًا أنه خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض في مايو الماضي، تمكن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من إقناعه برفع العقوبات المفروضة على سوريا، كجزء من جهود إقليمية لإعادة دمج دمشق ضمن المنظومة العربية وتقليص اعتمادها على طهران وموسكو.
في المقابل، حرص الشرع على عدم قطع العلاقات بالكلية مع روسيا، التي لا تزال تحتفظ بقواعد عسكرية على الأراضي السورية، رغم دعمها للرئيس السابق بشار الأسد وتوفيرها له ملاذًا آمنًا عقب سقوط نظامه، حسبما يوضح لوب.
هامش المناورة
وعلى ما يبدو أن الشرع ينتهج هذه السياسة للحفاظ على "هامش من المناورة" و"الخيارات المفتوحة"، وللضغط في الوقت ذاته على الولايات المتحدة وحلفائها بالمنطقة من أجل انتزاع المزيد من التنازلات السياسية والاقتصادية، كما يشير الأكاديمي المختص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة فلوريدا، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجهها سوريا خلال المرحلة الانتقالية الراهنة، وما يصاحبها من أزمة اقتصادية خانقة وعدم استقرار سياسي متصاعد.
غير أنّ هذا التقارب بين الولايات المتحدة وسوريا لا يُعدّ تحولًا مباغتًا، على حد توصيف الباحث السياسي في دراسات السلام وحل النزاعات الدولية في جامعة كوفنتري ببريطانيا الدكتور زارا صالح، بل هو امتداد لوجود أميركي مستمر في سوريا منذ سنوات، في إطار التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب وتنظيم "داعش"، ودعمها لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في هذا السياق.
ويشير صالح في حديثه لـ"المشهد" إلى أن واشنطن كانت ولا تزال "طرفًا أساسيًا في "هندسة التوازنات" داخل سوريا، موضحًا أن التحول في الإستراتيجية الأميركية بعد 7 أكتوبر 2023 أعاد رسم أولوياتها في الشرق الأوسط، حيث باتت واشنطن، وبالتعاون مع بريطانيا وإسرائيل، تقود "مشروعًا جديدًا يقوم على إعادة ترتيب موازين القوى، ومواجهة المشروع الإيراني الطائفي، فضلًا عن الحد من النفوذ الروسي في المنطقة، مع ضمان أمن إسرائيل عبر صيغة اتفاقية أمنية وليس اتفاق سلام شامل".
العلاقة بين واشنطن وسوريا
هنا، يوضح الأكاديمي المصري المختص في العلوم السياسية والأمن الإقليمي الدكتور مصطفى صلاح، أن العلاقة بين واشنطن وسوريا راهنًا ستخضع إلى سياسة مرحلية أو ما يمكن وصفه بـ"خطوة مقابل خطوة"، حيث إن "التعليق الجزئي للعقوبات يؤشر إلى انفتاح حذر ومشروط على السلطة الانتقالية، لصيغة صفقة تكشف ما هو غير معلن حول أسس العلاقة بين البلدين بعد عقود من العزلة والعقوبات، بما يعني أن هناك جملة نقاط بحاجة للتلبية المباشرة والاستجابة السياسية والعملية".
وبحسب صلاح في حديثه لمنصة "المشهد"، فإن القضايا الملحة في سوريا تتمثل في "إعاقة نفوذ المحاور المعادية لواشنطن والتي تهدد الأمن الإقليمي والدولي. كما أن التوصل لاتفاقات أمنية أو الانضمام لاتفاقيات إبراهيم قد يكون بحاجة إلى تسوية داخلية، تتعلق بتماسك سوريا وحل النزاعات مع القوى المختلفة السياسية والميدانية، وبوجه خاص في الجنوب السوري والاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بشمال شرق سوريا".
وبالعودة إلى الباحث السياسي في دراسات السلام وحل النزاعات الدولية في جامعة كوفنتري ببريطانيا الدكتور زارا صالح، فيقول إن هذا الواقع المتخم بالتعقيدات السياسية والميدانية يفرض على دمشق الجديدة "التماهي مع المشروع الأميركي الإقليمي"، معتبرًا أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع "يمثّل خيارًا مقبولًا لدى واشنطن لكونه مستعدًا لتنفيذ المتطلبات الأميركية المتعلقة بالاستقرار ومحاربة التنظيمات المتطرفة وكبح النفوذ الإيراني".
ويضيف: "واشنطن تسعى إلى الحد من النفوذ الإيراني في سوريا، ومنع أي عودة قوية لطهران إلى البلاد، بالإضافة إلى إدارة الصراع الأميركي الروسي، بما يحافظ على مصالحها وحلفائها الأوروبيين، في ظل استمرار وجود قواعد روسية في سوريا".
ومع ذلك، يرى صالح أن تحقيق هذه الأهداف "لن يكون سهلًا"، إذ يواجه الشرع تحديات داخلية تتعلق بـ"الماضي الجهادي، وضرورة القطيعة معه، من خلال سياسات تنهي أي احتمالات لإقامة "سلطة مركزية لها صفة طائفية ودينية"، والاستجابة للمطالب الأميركية المتعلقة بالديمقراطية وحماية الأقليات الكردية والمكونات الأخرى، وكذلك إرساء "دولة لامركزية تتوافق مع المعايير الدولية".
ويخلص المصدر ذاته إلى أن الأولوية بالنسبة للسلطة الانتقالية هي الحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ تُعتبر الطريق الوحيد لضمان نجاحها واستمرارها في السلطة، كما أن الحفاظ على التوازن مع روسيا يبدو في الوقت الحالي "شبه مستحيل".