أثار الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته جدلا واسعا خلال لقائه أعضاء البرلمان الأوروبي في بروكسل، حين أكد أن أوروبا غير قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، مضيفا أن أي محاولة لاستبدال الردع النووي الأميركي ستتطلب مضاعفة الإنفاق الدفاعي الحالي.
وأثارت تصريحاته غضب عدد من النواب خصوصًا أن روته سبق أن أثار انتقادات بسبب مواقفه المؤيدة لواشنطن، بحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية.
"الجيش الأوروبي"
وجاءت ردود الفعل الأوروبية متباينة، حيث شدد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو على أن الأوروبيين قادرون ويجب أن يتحملوا مسؤولية أمنهم، فيما دعا نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريز إلى إنشاء جيش أوروبي، مع إقراره بأن ذلك مشروع طويل الأمد يتطلب بناء أدوات ردع متعددة تشمل الاقتصاد والسياسة والأمن.
لكن فكرة "الجيش الأوروبي" تظل مثيرة للجدل، إذ يرى خبراء أنها طموحة لكنها غامضة وتفتقر إلى تفاصيل عملية.
واعتبرت الخبيرة صوفيا بيش من مركز كارنيغي أن المشروع بالنسبة للبعض رؤية مستقبلية، لكنه بالنسبة للمنتقدين رمز للمبالغة، وهو غامض بما يكفي لتجنب النقاش التفصيلي.
ورغم الخلافات، هناك توافق على ضرورة أن تتحمل أوروبا نصيبًا أكبر داخل الناتو.
وشددت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس على أن الحلف يجب أن يصبح أكثر "أوروبية"، مؤكدة أن أوروبا مطالبة بالارتقاء بدورها لأن "لا قوة عظمى في التاريخ أوكلت بقاءها إلى الآخرين ونجت".
وكان الناتو قد تعهد برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج القومي بحلول 2035، فيما أطلق الاتحاد الأوروبي خطة إنفاق دفاعي بقيمة 800 مليار يورو.
قدرات إستراتيجية أساسية
ويرى خبراء مثل كاميل غران أن الاستقلال الكامل لن يتحقق في موعد محدد، وإن كان ضروريا امتلاك قدرة ردع موثوقة بحلول 2030، في ظل التحذيرات من تهديد روسي محتمل.
وأشار غران إلى أن أوروبا بحاجة إلى تطوير قدرات إستراتيجية أساسية ما زالت تحت هيمنة الولايات المتحدة، مثل الاستخبارات والأقمار الصناعية والصواريخ بعيدة المدى والدفاع الصاروخي.
ورغم صعوبة تحقيق الاكتفاء الكامل، يمكن إحراز تقدم ملموس، لكنه يتطلب أيضا حوارا صريحا مع واشنطن حول استمرار الحاجة لبعض أصولها العسكرية.
في المقابل، أثارت مواقف واشنطن المتذبذبة بشأن أوكرانيا وتهديدات ترامب المتعلقة بغرينلاند شكوكا حول التزامها.
ومع ذلك، يظل هناك من يثق بالضمانات الأميركية مثل وزير الخارجية السويدي السابق توبياس بيلستروم الذي يرى أن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها إذا فُعل البند الـ5 من معاهدة الناتو.
وتؤكد بيش أن الثقة الأوروبية في الضمانات الأميركية تراجعت بشكل كبير، وأن على أوروبا إعادة تعريف مصالحها الدفاعية بعيدا عن الاعتماد التقليدي على الناتو.
وحذرت من أن الإنفاق الضخم الجاري قد لا يؤدي إلى استقلالية حقيقية إذا لم يُوجه بشكل منسق لتعويض القدرات الأميركية.
وتبرز أزمة المشروع الفرنسي-الألماني المشترك لتطوير مقاتلة جديدة مثالا على التعقيدات، إضافة إلى تشتت الإنفاق العسكري الأوروبي الذي يؤدي إلى ازدواجية مكلفة وضعف في الكفاءة القتالية.