على الرغم من الحديث عنها طيلة العقود الماضية، إلا أنّ أزمة الكثافة السكانية لا تزال تؤرق الكثيرين داخل مصر، وذلك باعتبارها معوّقا أساسيا للجهود كافة التي تبذلها الدولة من أجل تحقيق تنمية شاملة.
وبحسب تصريحات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر لمنصة "المشهد"، فقد وصل عدد سكان مصر في الداخل يوم 6 مارس وهو يوم السبت الماضي، إلى 105 ملايين نسمة.
تراجع نسبي في أعداد المواليد
وأوضح الجهاز أنّ هناك تراجعا ملحوظا لأعداد المواليد خلال آخر 5 أعوام، ما يعكس الجهود الملموسة في مواجهة الزيادة السكانية، وهو ما أظهرته أيضا بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية، حيث انخفض معدل الإنجاب من 3.5 مولود لكل سيّدة عام 2014، إلى 2.85 مولود لكل سيّدة عام 2021.
لا تملّ الدولة المصرية ولا تكلّ من بذل قصارى جهدها في التصدي لظاهرة الزيادة السكانية، وذلك من خلال المبادرات القومية الكبرى التي تطلقها من وقت لأخر، والتي كان آخرها مشروع "2 كفاية" والذي يهدف بالأساس للحدّ من مخاطر الزيادة السكانية، حيث يقول الدكتور مجدي خالد خبير الصحة الإنجابية، والمدير السابق لصندوق الأمم المتحدة للسكان، أنّ مشروع "2 كفاية" يهدف إلى تعزيز مفهوم الأسرة الصغيرة وترسيخ المفاهيم المجتمعية الإيجابية، للحد من الممارسات الخاطئة، والحصول على وسائل تنظيم الأسرة، وأوضح أنّ هناك دورا كبيرا يقع على عاتق الجمعيات الأهلية في ربوع محافظات مصر، من أجل العمل على تثقيف أكبر عدد من المواطنين، وتعريفهم إلى المشروع بالشكل المطلوب لتحقيق الاستفادة الكاملة منه.
وأضاف الدكتور مجدي خالد أنّ مشروع "2 كفاية" يسعي إلى تحقيق رؤية مصر في تحقيق كفالة حقوق كل طفل، في الحصول على الرعاية اللازمة والتغذية الجيدة، والتعليم المتاح للجميع، بالإضافة إلى الرعاية الأسرية والتربية الإيجابية، وذلك لن يتأتّى إلا بالاكتفاء بعدد طفلين لكل أسرة.
ويؤكد المدير السابق لصندوق الأمم المتحدة للسكان أنّ الزيادة السكانية تعدّ خطرا على الإحساس بعوائد التنمية، وتعيق بشكل مباشر تحقيق التنمية المطلوبة، ويرى أنّ استمرار الزيادة السكانية بالمعدلات الموجودة، يمثل تحديا كبيرا لبرامج التنمية كافة.
وللوقوف أكثر على تفاصيل هذا المشروع القومي، التقت منصة "المشهد" بإحدى الأسر المصرية المستفيدة من المشروع، حيث أكدت حسناء طلبة وهي أمّ لطفلين، أنّ الزيادة السكانية المتسارعة التي تعيشها مصر منذ زمن، أثّرت بشكل سلبي على الحياة المعيشية للمصريين، خصوصا في ظل عدم وجود توعية كافية في السابق بمخاطر هذه المشكلة، أما اليوم ومع تعدد المبادرات والمشروعات القومية من قبل الدولة مؤخرا، فأصبحت التوعية حاضرة وبقوة أمام أعين الجميع، وأكدت حسناء أنها اكتفت بطفليها اللذين رُزقت بهما، حتى تستطيع أن توليهما الرعاية اللازمة، سواء الصحية أو التعليمية أو حتى الاقتصادية، وقدمت الشكر للقائمين على مشروع (2 كفاية) الذين لهم الفضل في توعيتها بمخاطر الزيادة السكانية، وعدم إنجاب أكثر من طفلين.
الأزهر الشريف: تحديد النسل غير جائز
وحول الحديث عن حُكم تحديد النسل من الناحية الشرعية، فقد أوضح عضو لجنة الفتوى في الأزهر الشريف الشيخ عبد العزيز النجار لمنصة "المشهد"، أنّ تحديد النسل غير جائز، أما تنظيم النسل فجائز، موضحا أنّ التنظيم هو أنّ الإنسان يؤجّل الحمل لفترات متباعدة لصالح صحة الطفل، لكي يأخذ حظه من الحنان والعطف والرعاية، وأيضا لصالح الأم لكي تستريح من متاعب الحمل وتسترد صحتها مرة أخرى، وبعد فترة تستطيع أن تُنجب مرة أخرى وثانية وثالثة.
وأكد عضو لجنة الفتوى، أنّ التنظيم يحقق الغرض، لكن لسنا مع التحديد ولسنا مع الإجهاض من أجل قضية الرزق.
وأضاف الشيخ عبد العزيز النجار، أنّ الإمام الغزالي رحمه الله، أجاز للرجل أن يمنع أسباب الإنجاب، بسبب ضيق الرزق ومتاعب كسب العيش، ولا بأس في ذلك، وأيضا في فقه المذهب الحنفي، إباحة العزل باعتباره وسيلة لمنع الحمل، ولا بأس أنّ الإنسان يقوم بتدبير موارده بحسب ظروفه الاقتصادية والحياتية"
وأكد أنّ مسألة الإنجاب وكثرة الأولاد لا علاقة لها بالرزق، وإلا من يملك الأموال الكثيرة عليه أن يُنجب أولادا أكثر، ومن لا يملك المال فعليه أن لا يُنجب، والله عزّ وجل يقول في كتابه العزيز: "نحن نرزقهم وإياكم، "وفي آية أخرى قال: "نحن نرزقكم وإياهم" فالأرزاق عند الله عزّ وجل، "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا" فمن الناحية الشرعية يجوز أن ينظّم الإنسان عملية الإنجاب لصالح الأولاد ولصالح الزوجة، ولصالح حياتهما، بصرف النظر عن الجوانب المالية والاقتصادية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ عدد سكان مصر تضاعف مرات عدة بدءا من عام 1850، حين كان التعداد نحو 5 ملايين، وبعد 100 سنة وصل العدد إلى 20 مليونا، ثم تضاعف إلى 40 مليونا عام 1978، وفي عام 2007 بلغ عدد المصريين 70 مليونا، ثم 92 مليونا في عام 2016، وتخطّى الـ100 مليون في 2020.