خلال الحرب العالمية الثانية، امتلك الأسطول الياباني قوة بحرية ضخمة وتفوقًا نوعيًا لافتًا، لكنه افتقر إلى قاعدة صناعية دفاعية واسعة تسنده، واليوم تجد الولايات المتحدة نفسها في موقع مشابه، بحسب تقرير لمجلة ناشيونال إنترست.
ويشير التقرير إلى حالة انعكاس أدوار حادة، فالبحرية الأميركية في 2026 تبدو وكأنها تحتل المكان الذي شغلته البحرية الإمبراطورية اليابانية عام 1941.
هجوم بيرل هاربر
وتتصاعد في الأوساط الإستراتيجية الأميركية تحذيرات متزايدة، من أنّ الولايات المتحدة قد تدخل أيّ حرب بحرية محتملة في المحيطين الهندي والهادئ، وهي تعاني خللًا بنيويًا يشبه إلى حد بعيد ما واجهته اليابان الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الثانية، حين امتلكت قوة قتالية متفوقة نوعيا، لكنها افتقرت إلى قاعدة صناعية قادرة على تعويض الخسائر.
ويستعيد خبراء الدفاع تجربة طوكيو قبل هجوم بيرل هاربر عام 1941، حين دفعت بأحد أقوى الأساطيل في العالم من حيث جودة السفن والطائرات والتسليح، ثم حققت سلسلة انتصارات سريعة ومذهلة في آسيا والمحيط الهادئ.
غير أنّ تلك النجاحات أخفت نقطة ضعف قاتلة، إذ عجزت المصانع اليابانية عن إنتاج سفن وطائرات بديلة بالسرعة الكافية لتعويض ما كانت تخسره في المعارك، خصوصًا بفعل حرب الغواصات الأميركية.
ويؤكد محللون أنّ هذه الفجوة الصناعية حسمت الحرب في نهاية المطاف، بعدما أغرقت الولايات المتحدة خصمها بسيل من الإنتاج العسكري واسع النطاق، مستفيدة من قدرة مصانعها على تصنيع "كميات هائلة من السلاح الجيد بما يكفي" بحسب التقرير، لتصبح الكمية نفسها عنصر تفوق حاسم.
تكرار السيناريو
ويحذر مراقبون اليوم من تكرار السيناريو بصورة معكوسة، إذ تمتلك البحرية الأميركية قدرات تكنولوجية متقدمة وخبرة تشغيلية كبيرة، لكنها تواجه في المقابل صعودًا صينيًا سريعًا مدعومًا بمجمّع صناعي بحري ضخم.
وتشير تقديرات إلى أنّ قدرة الصين على بناء السفن، تتجاوز نظيرتها الأميركية بأكثر من 200 مرة، ما يمنح بكين أفضلية واضحة في تعويض الخسائر وإدامة العمليات خلال أيّ صراع طويل.
ويرى عسكريون سابقون أنّ معيار النصر في الحروب الحديثة، لم يعد يرتبط بالقوة الأولية وحدها، بل بقدرة الجيوش على تجديد قوتها القتالية بعد تلقي الضربات.
ويشرح التقرير، أنّ القوة التي تستطيع إصلاح سفنها سريعًا وبناء بدائل جديدة بوتيرة متواصلة، هي الأقدر على الصمود وكسب الاستنزاف.
وتواجه الولايات المتحدة في هذا السياق، تحديات متفاقمة في قطاع الصيانة والإصلاح وبناء السفن حسب التقرير.
وحتى في أوقات السلم تضيف المجلة، تعاني أحواض السفن الأميركية من ضغوط وتأخيرات مزمنة، ما يثير تساؤلات حول قدرتها على تلبية متطلبات زمن الحرب، حين يتعين الحفاظ على جاهزية الأسطول القائم، مع تعويض السفن الغارقة وإصلاح المتضررة في آن واحد.
حرب المحيط الهادئ
ويعكس تقرير صادر عن مكتب المحاسبة الحكومي حجم المشكلة، إذ يبيّن أنّ عدد سفن الأسطول الأميركي ظل شبه ثابت لأكثر من عقدين، رغم ارتفاع ميزانيات بناء السفن.
كما يشير إلى أنّ تسليم السفن القتالية الجديدة يتأخر لأشهر طويلة، تصل في بعض الحالات إلى أكثر من 3 سنوات، بما في ذلك الغواصات التي تُعد الركيزة الأساسية في مواجهة الصين.
وتطال التأخيرات برامج رئيسية بحسب التقرير، مثل الغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية من فئة "كولومبيا"، وغواصات "فيرجينيا" الهجومية، إضافة إلى حاملات الطائرات والمدمرات الحديثة.
كما ألغت الإدارة الأميركية أخيرًا برنامج فرقاطات جديد، بعدما تعثر في تحقيق الجداول الزمنية والتكاليف المستهدفة، في مؤشر إضافي على صعوبة تحديث الأسطول بالوتيرة المطلوبة.
ويذكّر الخبراء بأن حرب المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية استمرت نحو 44 شهرًا فقط، وهي فترة زمنية قصيرة نسبيًا مقارنة بحجم التأخيرات الحالية في تسليم السفن.
ويشيرون إلى أنّ أيّ صراع واسع مع الصين قد يُحسم خلال سنوات قليلة، ما يجعل عامل الوقت والإنتاج الصناعي عنصرين حاسمين.
ويرى مسؤولون ومشرعون من الحزبين، أنّ الاعتراف بالمشكلة يمثل خطوة أولى نحو المعالجة.
ويدعون إلى إعادة إحياء القاعدة الصناعية البحرية محليًا، وزيادة الاستثمارات في أحواض السفن، وتوسيع التعاون مع حلفاء يتمتعون بخبرات متقدمة في بناء السفن، مثل كوريا الجنوبية واليابان.
ويخلص تقرير مجلة ناشيونال إنترست إلى أنّ التفوق التكنولوجي وحده لن يكون كافيًا في أيّ مواجهة مقبلة، وأنّ ضمان وجود مزيد من السفن الجاهزة في البحر وبالسرعة الممكنة، قد يكون العامل الفاصل بين الحفاظ على الهيمنة البحرية أو تكرار مصير اليابان الإمبراطورية قبل 8 عقود.