hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 "الثقب الأسود".. مصر تُعلن الحرب على مافيا التسوّل

 قانون مكافحة التسول نص على معاقبة المدان بالحبس مدة شهرين في حال كان صحيح البنية (إكس)
قانون مكافحة التسول نص على معاقبة المدان بالحبس مدة شهرين في حال كان صحيح البنية (إكس)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • صحوة أمنية في مصر ضد عصابات التسول ومطالب بإصدار عقوبات رادعة ضدهم.
  • مساعد وزير الداخلية الأسبق: الملاحقات الأمنية داخل مصر ضرورة ملحة.
  • لا بيانات رسمية بأعداد محترفي مهنة التسول في مصر.
  • استغلال الأطفال في التسول شكل من أشكال الاتجار بالبشر.

تعدّ ظاهرة التسول من أخطر التحديات التي تواجه المجتمع المصري، خصوصا مع انتشارها بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة في الحد من تمددها والقضاء عليها، إلا أنّ هذه الظاهرة لا تزال حاضرة وبقوة بأشكال وصور متعددة.

وفي واحدة من أبرز الضربات الأمنية ضد هذه الظاهرة المستفحلة في الشوارع المصرية، نجحت الأجهزة الأمنية داخل البلاد في القبض على تشكيل عصابي كان يستغل الأطفال القصّر في أعمال التسول أسفل أحد الكباري بمحافظة الجيزة، ثاني أكبر المحافظات المصرية، في منطقة وُصفت من قبل الكثيرين "بالثقب الأسود"، نظرًا لما يدور بداخلها من ممارسات عديدة خارجة عن القانون.

الكشف عن بؤرة التسول، والتي باتت معروفة بالثقب الأسود، بدأت عندما تداول عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية صورًا ومقاطع فيديو توثق وجود فتحة أسفل أحد الكباري، يتردد عليها أطفال ونساء وشباب، واتخاذها وكرًا لاستغلال الأطفال في أعمال التسول. وبعد تزايد سرعة انتشار هذه الصور ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل، تحركت الأجهزة الأمنية على الفور إلى المكان وقامت بمداهمته، وألقت القبض على 20 شخصًا، بينهم 7 متهمين لديهم سوابق جنائية، بالإضافة إلى 8 سيدات و5 أطفال، كما عُثر بحوزة 9 أشخاص على أسلحة بيضاء.

نتائج التحقيقات

وكشفت التحقيقات الأولية لتلك القضية التي هزت الرأي العام داخل مصر عن استخدام الأطفال بشكل منظم في عمليات التسول بالشوارع المحيطة بموقع التجمع، حيث كانوا يُدفعون لاستعطاف المارة وبيع بعض السلع بشكل إجباري، في محاولة لاستنزاف أكبر قدر من الأموال من المواطنين، مستخدمين في ذلك أساليب ضغط نفسي وعاطفي.

كما أشارت المعلومات إلى أنّ هذه العصابة اتخذت من تلك الفتحة وكرًا لا يقتصر على التسول فقط، بل كان يُستخدم أيضًا كملاذ للهروب من أعين الأمن، ما زاد من خطورة الوضع في تلك المنطقة، وتقرر إيداع الأطفال الـ5 الذين تم القبض عليهم داخل إحدى دور الرعاية الاجتماعية، لحمايتهم من أيّ استغلال مستقبلي، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم لهم.

وفي خضم الضربة الأمنية القوية التي استهدفت بؤرة التسول والمعروفة إعلاميًا بالثقب الأسود، أكد مساعد وزير الداخلية الأسبق اللواء رضا يعقوب في تصريحات لمنصة "المشهد"، بأنّ تحركات الأجهزة الأمنية ضد عصابات التسول وخصوصًا الذين يستغلون الأطفال في هذه الظاهرة السلبية، مهمة للغاية، واصفًا إياها بالجيدة، لأنّ هذه العصابات لا تتوقف عند تشجيع الأطفال على التسول فقط، بل يمتد الأمر ليصل إلى حد الاتجار بالأعضاء البشرية لهؤلاء الأطفال، وبالتالي فإنّ الملاحقات الأمنية لعصابات التسول ضرورة ملحة من أجل القضاء على هذه الظاهرة الإجرامية.

شبكة مافيا

ووصف يعقوب ظاهرة التسول بالطريق الأسهل للحصول على الأموال، كاشفًا أنها ليست ظاهرة فردية فحسب، بل باتت شبكة متشعبة تشبه المافيا، نظرًا لانتشارها الواسع في الشوارع والمواصلات العامة، موضحًا أنه يوجد في كل منطقة شخص مسؤول عن تسريح المتسولين ويقوم بتنظيم أدوارهم، ومن ثم يحصل منهم على النصيب الأكبر من الإيراد اليومي للمتسولين، معتبرًا أنّ هذه الظاهرة تضر بالمجتمع المصري، وتُبرز المظهر السياحي داخل الدولة بشكل غير لائق.

ويشير مساعد وزير الداخلية الأسبق إلى أنّ وسائل وطرق التسول داخل مصر تتعدد بصور غريبة وبمبررات غير حقيقية، فتجد بعض المتسولين يَدّعون أنهم مرضى وبحوزتهم أوراق طبية ليست صحيحة لطلب العلاج، فيما تجد آخرين يلجأون إلى أساليب الاستعطاف من خلال استخدام الأطفال كوسيلة للإلحاح على المارة في الشوارع، بداعي أنّ هؤلاء الأطفال جوعى ويريدون طعامًا، أو أنهم مصابون بأمراض معينة وليست لديهم أموال لتلقي العلاج، موضحًا أنّ ظاهرة التسول باتت مهنة مربحة لجني الأموال بشكل سريع، ولم تعد لها علاقة بالظروف الاقتصادية للشخص المتسول.

أما رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة الدكتور هاني هلال، فقد أوضح في حديثه مع "المشهد"، أنّ هناك الكثير من الأطفال يتم الزجّ بهم في الاستغلال الاقتصادي من قبل عصابات منظمة في ظاهرة التسول، وهنا لا بد من توعية الأسرة بمخاطر الاتجار بأطفالهم وتركهم فريسة لهذه العصابات التي قد يصل بهم الحال لاستغلالهم في جرائم أخرى، بعضها يتعلق بالاستغلال الجنسي، والآخر يتعلق بالاتجار بأعضائهم البشرية، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة وجود دور للمجتمع المدني من إعلام ومنظمات حقوقية وغيرها، من أجل التوعية بمخاطر التسول، ليس فقط من ناحية أنه يمثل مظهرًا اجتماعيًا سيّئًا، بل من ناحية الأضرار المباشرة التي يتعرض لها الأطفال أثناء استغلالهم من القائمين على ظاهرة التسول.

رعاية الأطفال وتأهيلهم

ولفت هلال إلى أنّ الحملات التي تقودها الأجهزة الأمنية ضد عصابات التسول يجب أن تصاحبها رعاية اجتماعية للأطفال وإعادة تأهيلهم، وذلك من خلال توفير دور إيواء للأطفال المتشردين الذين ليس لديهم أسر، لكنه نوه إلى أنّ هناك إشكالية كبيرة، في أنّ دور الإيواء هذه دائما ما تكون مفتوحة، حيث يتم التحفظ على هؤلاء الأطفال لفترات معينة، وبعد ذلك يعودون للشارع مرة أخرى، لذلك طالب بضرورة إعادة النظر في دور الإيواء التي تحتضن الأطفال لحمايتهم من المجتمع.

ويُعدّ التسول جنحة في القانون المصري، وينص قانون مكافحة التسول على معاقبة المدان بجريمة التسول في الطرق العامة بالحبس مدة شهرين في حال كان صحيح البنية، والحبس مدة شهر إن كان غير صحيح البنية، وتزداد العقوبة إلى 3 أشهر لمن يتصنّع الإصابة بجرح أو عاهة للتسول، أما من استخدم طفلًا في التسول أو سلمه لآخر لهذا الغرض، فعقوبته الحبس بين 3 و6 أشهر، لكنّ الكثيرين يرون أنّ هذه العقوبات غير رادعة، لذلك طالب رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة بضرورة تحديث التشريعات لمواجهة ظاهرة التسول، لافتًا إلى أنّ ضعف العقوبة للمتسولين ساعد على انتشارهم بشكل كبير.

وأشار إلى أنّ الكثير من الذين يتم إلقاء القبض عليهم يحصلون على براءة أو أحكام مخففة بسبب تعاطف القضاة مع المتسولين واعتبار أنهم لم يحصلوا على فرصة لكسب رزقهم عن طريق آخر، كما طالب بإعادة النظر في العقوبات الواردة في قانون الطفل على استغلالهم، ولا بد من إصدار أحكام من قبل القضاء المصري ضد عصابات التسول تكون واضحة وصريحة كرسالة للمجتمع بضرورة وقف هذه الجريمة التي تحدث ضد الأطفال.

ويعرّف القانون المصري التسول بأنه كل شخص وُجد في الطريق العام أو الأماكن أو المحال العامة أو الخاصة يستجدي صدقة أو إحسانًا من الغير، حتى وإن كان غير صحيح البنية أو غير قادر على العمل، وتعدّ ظاهرة التسول من أكثر الظواهر السلبية التي تشهدها الشوارع المصرية، ولا يوجد تقرير رسمي بأعداد محترفي مهنة التسول أو حصر نهائي لجرائم التسول.