قبل ساعات من حلول شهر رمضان الكريم تبدو الأسواق الشعبية في المغرب في أبهى صورها متزينة بمختلف البضائع والسلع الغذائية لكن أصنافا بعينها من الحلوى التقليدية المحلية تخطف عيون المتسوقين بسبب طعمها المميز وارتباطها بالشهر الكريم.وفي إحدى أشهر الأسواق الشعبية الشهيرة وسط الرباط يقف عند الزاوية بائع بشوش وأمامه حلوى (الشباكية) و(البريوات) بانتظار زبائنه الذين ينتظرهم من العام للعام ويعرف طلب كل منهم.وقال البائع الذي عرف نفسه باسم محمد "طوال العام نبيع هذه الحلويات الرمضانية منذ عشرات السنين، بحيث قلما نجد محلا آخر يبيعها خارج أوقات رمضان".وأضاف "لذلك لنا زبائن دائمون ممن يعشقون هذه الحلويات حتى خارج رمضان، يأتون إلينا من كل مكان في الرباط وحتى خارجه".و(الشباكية) هي حلوى مغربية تصنع من الدقيق (الطحين) وبعض السمسم والينسون وعدد من المنكهات التقليدية منها المستكة وماء زهر البرتقال ويتم إعدادها بشكل هندسي متشابك ثم تقلى في الزيت وتغطس في العسل وهي ساخنة قبل أن تزين من أعلى بحبات السمسم.أما (البريوات) فتأخذ شكل المثلث أو ما يسمى في المشرق العربي (السمبوسة) وتكون محشوة باللوز وتقلى أيضا في الزيت وتتشبع بالعسل.وبالإضافة إلى (الشباكية) و(البريوات) هناك (سلو) أو (السفوف) إذ تختلف التسمية حسب المناطق في المغرب، وهو أيضا صنف مفضل على المائدة الرمضانية، بل يكاد يكون لا غنى عنه بالنسبة للعديد من الأسر، خاصة بعد صلاة التراويح مع بعض القهوة أو الشاي.ويبدأ عدد من الأسر في تحضير (سلو) منذ دخول شهر شعبان، لما يتطلبه من مراحل كثيرة في التحضير نظرا لتعدد مكوناته.وقد يكون (سلو) أكثر كلفة لأن أجوده ما يحضر في البيت، على عكس الشباكية التي أصبحت عدد من الأسر تفضل شراءها جاهزة كسبا للوقت لما تتطلبه من مراحل تحضير طويلة نسبيا، خاصة بالنسبة للنساء العاملات، كما أن أصحاب المحال ينافسون ربات البيوت في إتقانها.مبيعات أقلورغم الإقبال الموسمي على الحلوى التقليدية فإن البائع محمد وزميل له يدعى عبد الكريم سجلا هذه السنة نقصا في المبيعات "الحركة التجارية عموما خافتة قليلا بالمقارنة مع السنوات السابقة بسبب غلاء الأسعار، وبسبب عزوف عدد من الناس أيضا عن استهلاك السكريات بكثرة لأسباب صحية".ويقول عبدالكريم "جميع المواد الأولية من دقيق وسكر وزيت وغاز ارتفعت أسعارها، ونحن حاولنا قدر الإمكان في المحل عدم الزيادة في أسعار الحلوى، سوى زيادة طفيفة لا تتجاوز نصف درهم في الكيلو، حتى نحافظ على زبائننا.. لكن نسجل تراجعا على الإقبال مقارنة بالسنوات الماضية".لكن ربة المنزل خديجة مصمودي (52 عاما) تقول إنه رغم الارتفاع الملحوظ لأسعار الحلوى التقليدية فإن هذا لم يمنعها من شراء القليل.وقالت "اشتري الشباكية من السوق لتزيين الطاولة الرمضانية لأننا اعتدنا على وجودها بجانب ‘الحريرة‘ (حساء مغربي تقليدي) لكن مع التقدم في العمر أحاول قدر الإمكان أن أقلل من السكريات".وأضافت "أما سلو فلا غنا لي عنه في رمضان، خصوصا أنني أضع فيه العديد من الحبوب المغذية وأخلطه بزيت الزيتون بدل الزبد والعسل الطبيعي بدل السكر".واشتكت من أن "مكونات سلو، للأسف، هذا العام ارتفعت ارتفاعا صاروخيا، خاصة السمسم المحلي غير المستورد الذي تجاوز سعره 80 درهما (نحو 8 دولارات) للكيلوغرام الواحد".وقالت "منذ أكثر من 30 عاما، منذ صار لي بيت مستقل عن عائلتي، لم يصل لهذا السعر".وأكد محمد بلفقيه، الذي يبيع الفواكه الجافة والحبوب وبعض المواد التي يحتاجها المغاربة على مائدتهم الرمضانية، "هناك ارتفاع في الأسعار، وإقبال من متوسط إلى ضعيف مقارنة بسنوات سابقة".وأضاف "الجفاف أثر على جودة وأسعار بعض المواد، كالسمسم واللوز.. ونحن أيضا نشتريها بأسعار غالية نظرا لكثرة الوسطاء، وضعف المحصول".وتتحكم أسعار المواد الغذائية بالأساس في معدلات التضخم في المغرب. وتوقع بنك المغرب أن ينهي معدل التضخم هذا العام مرتفعا بنسبة 2.4%، على أن يتباطأ إلى 1.8% في العام المقبل. تأقلم مع الظروفيرى المحلل الاجتماعي فؤاد بلمير أنه "منذ ثمانينات القرن الماضي تميزت مائدة إفطار المغاربة على العموم، مع احترام الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين فئات المجتمع المغربي، وأصبحت أكثر تنوعا كما عرفت بتعدد الأطباق".وقال إن "السنوات الأخيرة، وخصوصا هذه السنة، عرفت ارتفاعا مهولا للأسعار، لذا مؤكد أن مائدة الإفطار لدى فئة عريضة من المجتمع المغربي ستتأثر ويتقلص عدد الأطباق".وأضاف أن "التأثير واضح للارتفاع المهول للأسعار، وأكيد سيكون أوضح في شهر رمضان، نتمنى أن تكون هناك مراقبة صارمة للأسعار من طرف الحكومة ومعاقبة المضاربين في الأسعار".وتعتقد الحكومة المغربية أن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية يعود إلى العوامل الخارجية كتقلبات الأسواق العالمية وتأثير الجفاف بسبب التغيرات المناخية.لكن رغم ارتفاع الأسعار وزيادة العبء على الأسر يقول بلمير إن "المجتمع المغربي له القدرة على التكيف مع هذه الأوضاع المعيشية التي، بشهادة الجميع، أصبحت صعبة جدا".وأضاف أن "المغاربة من طبعهم التأقلم، وأكيد سيحاولون المحافظة على الحد الأدنى من هذه الطقوس الرمضانية على موائدهم".(رويترز)