مع اقتراب الحرب في أوكرانيا من دخول عامها الـ4، تتزايد الدعوات داخل المؤسسة العسكرية الأوكرانية لإعادة النظر في الإستراتيجية القتالية المتبعة، في ظل تقدم روسي بطيء لكنه متواصل، خصوصا مع الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة، ما يضعف موقف كييف على طاولة المفاوضات، بحسب "وول ستريت جورنال".
استنزاف القدرات الأوكرانية
وفي جنوب شرق البلاد، تواصل القوات الروسية خلال الأسابيع الأخيرة هجماتها بالطائرات المسيّرة مستهدفة خطوط الإمداد وفرق تشغيل المسيّرات الأوكرانية على مسافات تتراوح بين 12 و50 ميلا خلف خطوط التماس، في محاولة لاستنزاف القدرات الدفاعية الأوكرانية وقطع سلاسل الدعم اللوجيستي.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن موسكو تعتمد حاليا على إستراتيجية "الاستنزاف البعيد"، عبر استهداف البنية اللوجستية ومراكز القيادة التكتيكية، بدلا من شن هجمات مباشرة واسعة النطاق، وهو ما مكنها من الحفاظ على زخم ميداني محدود لكنه مستمر.
في المقابل، لا تزال الإستراتيجية الأوكرانية تركز بدرجة كبيرة على إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر في صفوف المشاة الروس عند اقترابهم من خطوط الجبهة، وهي مقاربة يقول ضباط أوكرانيون إنها لم تعد كافية في مواجهة التكتيكات الروسية الجديدة.
تغيير موقف الكرملين
وكان وزير الدفاع الأوكراني الجديد، ميخائيلو فيدوروف، قد أعلن مؤخرا أن هدف القوات الأوكرانية هو رفع عدد القتلى في صفوف الجيش الروسي إلى نحو 50 ألف جندي شهريا، مقارنة بنحو 35 ألفا في ديسمبر الماضي. غير أن عددا من القادة الميدانيين يرون أن التركيز على عدد القتلى وحده لا يحقق مكاسب إستراتيجية حاسمة.
وقال قائد الكتيبة الأوكرانية 225، أوليه شيرياييف، إن تحسين قدرة أوكرانيا على الصمود يتطلب التحول نحو استهداف فرق تشغيل المسيّرات الروسية ومراكز القيادة على مسافات بعيدة خلف خطوط القتال، مؤكدا أن هذه الوحدات تمثل "العمود الفقري" للقدرة القتالية الروسية على المستوى التكتيكي.
وبحسب مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، بلغ عدد القتلى والجرحى في صفوف القوات الروسية نحو 1.2 مليون شخص منذ اندلاع الحرب، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير في موقف الكرملين. وفي المقابل، تُقدَّر الخسائر الأوكرانية بما بين 500 و600 ألف قتيل وجريح.
تعثر المسار السياسي
فيما يرى محللون عسكريون أن روسيا نجحت في تطوير نهج أكثر تنظيما لتعطيل القدرات الأوكرانية في مجال المسيّرات، عبر تعقّب مواقع الإطلاق وخطوط الإمداد المرتبطة بها، في حين لا تزال الضربات الأوكرانية في العمق الروسي محدودة ومتفرقة، نتيجة نقص في الأسلحة القادرة على استهداف أهداف متوسطة المدى.
وفي إقليم زابوريجيا، وعلى الرغم من التفوق العددي والناري الروسي، لا تزال القوات الروسية عاجزة عن تحقيق اختراق حاسم، بسبب طبيعة الأرض المكشوفة وانتشار التحصينات الأوكرانية، إلى جانب السيطرة الجوية النسبية للطائرات المسيّرة الأوكرانية. إلا أن الضغط المتواصل أدى إلى إنهاك الوحدات الأوكرانية، التي باتت تعمل على سد الثغرات في خطوط دفاع ممتدة ونقص في الأفراد، خصوصا على الجبهة الجنوبية.
وفي ظل تعثر المسار السياسي، يؤكد جنود أوكرانيون في الخطوط الأمامية أن ما يُعلن على طاولات التفاوض لا ينعكس على الأرض، حيث تتواصل العمليات الهجومية بوتيرة متصاعدة، ما يعزز القناعة بأن الصراع لا يزال بعيدا عن أي تسوية قريبة.