في محاولة حثيثة لاستعادة ملامح الحياة التي غيّبتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتي دامت نحو 15 شهرًا وخلّفت دمارًا هائلًا وأوضاعًا اقتصادية وإنسانية كارثية، يتعالى أهالي القطاع على أحزانهم وأوجاعهم ويستقبلون شهر رمضان الكريم بهمة وروح جديدة، فتراهم يحرصون على التجهيز، والتزيين، بأقل الإمكانيات وبما توافر لديهم من مدخرات.مرة أخرى، يعود شهر رمضان على الغزيين وسط ظروف استثنائية قاسية، على أمل أن ينعموا بالسلام، ويبتغون دوام الهدنة والهدوء بلا قتل ولا قصف، ويريدون الاستقرار للعودة لمنازلهم وتعميرها وممارسة حياتهم الطبيعية، ويحلمون بالعيش بأمان، وأن تصلهم المواد الغذائية والأدوية، والمياه والكهرباء، ويحتفلون بقدوم الشهر الفضيل بالزينة والفوانيس، أملًا بغد أفضل.معاناة وخوفمع حلول شهر رمضان المبارك يسعى تجار قطاع غزة لتجهيز محالهم وبسطاتهم وبضائعهم، استعدادًا للموسم التجاري، إلا أنّ هذه الاستعدادات تصطدم بواقع اقتصادي وأمني متأزم، بحسب وصف التاجر سلامة عاشور في حديثه لمنصة "المشهد".وقال: "نعاني كتجار من قيود الاستيراد، والكساد التجاري، ونقص التمويل، والخوف يعترينا من تجدد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بالإضافة للظروف التي قادت إليها الحرب، وما زالت تلقي بظلالها على الجميع".والمهمة الأصعب التي تواجه التجار تكمن في توفير وتأمين البضائع، يقول سليمان الحلو، بائع مواد غذائية لـ"المشهد"، بأنّ "القيود الإسرائيلية المفروضة على الاستيراد وإدخال البضائع، تحدّ من القدرة على توفير وجلب المنتجات المطلوبة، أحاول قدر الإمكان تجهيز المحل بالبضائع المطلوبة لشهر رمضان وبقية الأيام، على أمل أن يتم إدخال الشحنات لتلبية احتياجات الزبائن". وفي هذا الصدد، أشارت تقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بأنّ الحرب عملت على انهيار المنظومة الاقتصادية، واستمرار الانكماش الحاد في الناتج المحلي بنسبة 82%، مترافقًا مع ارتفاع معدل البطالة إلى 80%. حال أغلبية سكان قطاع غزة تتشابه بخسارة منازلهم وفقدان أعمالهم، يقول بهاء أبو موسى الذي يسعى لشراء احتياجيات الشهر الفضل لأسرته لـ"المشهد"، بأنّ "شهر رمضان يحلّ علينا من جديد ولم تتغير أحوالنا بفعل الحرب بل تزداد سوءًا، احتياجات أسرتي كثيرة والأسعار باهظة، نحاول بالإمكانيات البسيطة أن نُدخل البهجة لقلوب أطفالنا، لكن تبقى الفرحة منقوصة، في ظل ما نعايشه من نقص في كل شيء". رمضان في الخياممكنت الهدنة التي أبرمت ما بين حركة "حماس" والسلطات الإسرائيلية عبر الوسطاء، سكان قطاع غزة من تفقّد منازلهم وممتلكاتهم، إلا أنهم وجدوا أغلبها مدمرة بالكامل، فنصبوا الخيام على أنقاضها، فيما بقي عشرات الآلاف من النازحين في خيام اللجوء، ومراكز ومدارس الإيواء.تقول السيدة الفلسطينية النازحة في خيام مواصي رفح منذ اندلاع الحرب لـ"المشهد"، بأنه "كيف سنشعر ببهجة وسعادة شهر رمضان ونحن في الخيام، بالكاد نستطيع توفير احتياجاتنا الأساسية، نعتمد على بعض المشتريات والمساعدات التي تصلنا، سيكون شهرًا صعبًا علينا، ونسأل الله الخير والسلامة". ويتساءل المسن بلال ضاهر، الذي عاد لمنزله المدمر في مخيم جباليا ونصب خيمة ويوجد فيها مع عائلته المكونة من 13 فردًا، قائلًا: "نحاول قدر الإمكان توفير الحد الأدنى من متطلبات العائلة والأحفاد، فكيف سنستقبل شهر رمضان؟ فالأسعار مرتفعة للغالية، وأغلبية المساجد هُدّمت، سنحاول بكل ما أوتينا من قوة وإرادة من إحياء الشهر المبارك، وننتظر الفرج القريب".محاولات للبهجة في مشهد يعكس التمسك بالأمل والحياة، رغم كل الصعاب ومآلات الحرب، تطل أجواء الشهر الفضيل في أجواء وأسواق وحارات قطاع غزة، بأحبال الزينة والفوانيس المصنوعة يدويًا، ودأب التجار وأصحاب المحلات والأسواق الشعبية بعرض بضائعهم ومستلزمات شهر رمضان، لإستقبال المتسوقين. في أحد الأسواق الشعبية في مدينة غزة، والتي قُصفت وتهدمت وخسر الباعة محلاتهم وبضائعهم في خضم الحرب، إلا أنهم يعملون على إعادتها وترميمها، تروي المربية دينا المصري لمنصة "المشهد"، رغبتها بالتحضير والشراء لقدوم شهر رمضان، "من أجل إدخال الفرحة إلى قلوب أطفالي الذين عايشوا النزوح والحرب، ولتكون فرصة لإحياء النفس من التعب والحزن الذي يرافقنا، رغم ضيق الحال، أحاول شراء المتطلبات الأساسية وفانوس رمضان".ومن مظاهر قدوم شهر رمضان المبارك، تنشط التكايا الخيرية في معظم مناطق قطاع غزة، عبر مبادرة مجموعات شبابية ناشطة في مجال العمل الإنساني، بهدف مد يد العون والتخفيف من المعاناة التي تسببت بها الحرب، عبر تقديم وجبات الإفطار والسحور للعائلات والأفراد، لتتغلب على الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وشح الموارد، ونزوح عشرات الآلاف من السكان، بلمسة إنسانية خيرية. يوضح أحد الشبان القائمين على مبادرة "تكية الخير" في مخيم النصيرات، إبراهيم عوض لمنصة "المشهد"، بأنّ الشعور بالمسؤولية المجتمعية دفع بنا لإنشاء التكية والعمل فيها بجهد شخصي، قائلًا: "من أجل مساندة النازحين والمتضررين بفعل الحرب والعائلات المتعففة، حيث أضحت معظم العائلات فقيرة مع الأحوال الحالية، نقوم بهذه المهمة بمجهودنا الخاص، وعبر جمع التبرعات، لتوفير احتياجيات مطبخ التكية، والتي تعدّ وجهة أساسية يُقبل عليها الناس طوال الشهر الفضيل". (المشهد - القدس)