في مشهد يُجسد مرحلة جديدة من معاناة إنسانية لا تكاد تتوقف، تحولت مخيمات النزوح في قطاع غزة إلى مستنقعات مياه وبرك من الطين، وانهارت منازل كانت قد تضررت سابقاً بفعل القصف الإسرائيلي على رؤوس ساكنيها، فيما علقت عائلات بأكملها بين مطرقة البرد القارس وسندان المياه الغزيرة التي لا تجد مخرجاً، فشتاء هذا العام لم يأتِ كضيف عابر على القطاع، بل جاء كعاصفة تُضاعف الكارثة.

ولم يكتفِ المنخفض الجوي العميق، بغمر الخيام البالية التي يقطنها قرابة مليون ونصف مليون نازح، بل أظهر هشاشة وضعهم الإنساني، الذين باتوا بلا ملجأ يحميهم، وبلا غطاء يدفئ أطفالهم الرضع، فحياتهم أضحت مهددة بأدنى انخفاض في درجة الحرارة.
ووفق تقارير ميدانية، فإن المأساة لم تتوقف عند غرق الخيام وإتلاف الممتلكات القليلة المتبقية، بل "امتدت لتشمل انهيار منازل سكنية كانت قد تضررت جراء الحرب الأخيرة، حيث تحولت جدرانها المتصدعة وأسقفها المهترئة تحت وطأة الأمطار إلى قبور لساكنيها"، لترتفع حصيلة الضحايا ويعلو صوت الاستغاثة عالياً، في وقت تبقى فيه القدرات المحلية على مواجهة هذه الكارثة الطبيعية محدودة للغاية.

أصوات من قلب المأساة
في مشهد يختزل عمق المأساة الإنسانية، تحولت مخيمات النزوح في قطاع غزة إلى برك واسعة من المياه الموحلة، بعد أن أغرقت العاصفة الشتوية القاسية "بايرون" آلاف الخيام التي يأوي إليها ما يقارب مليون ونصف مليون نازح، يعيشون تحت خيام بالية لم تعد صالحة للسكن، وباتوا في مواجهة مباشرة مع برد قارس يخطف الأنفاس والأرواح.
وسط أصوات الرعد والمياه المتسللة لخيم النزوح، يحكي النازحون قصصاً متشابهة عن اليأس والخوف، سليم الشاعر يروي لـ"المشهد" لحظة غرق خيمته في مواصي خان يونس، بالقول "وجدت نفسي مع زوجتي وأطفالي نطفو فوق بركة من الماء، لم أعرف ماذا أنقذ أولاً، الخيمة أم أطفالي، كل شيء حولنا كان مبللاً، وخسرنا كل ما نملك من مقومات معيشية بسيطة".

وبصوت متعب تشكو آلاء البشيتي لـ"المشهد" عن الخيام التي لا تتحمل المطر، وتتابع بالقول: "نواصل نزوحنا القسري في مدينة غزة، لكن البرد يزيد من صعوبة حياتنا اليومية، ونحن لا نملك رفاهية الانتقال إلى مكان أفضل، في كل مرة نسمع صوت الرعد والمطر الجارف، نرتبك ونرتجف حزناً لما هو قادم إلينا، المطر هنا لا يعني حياة، بل بداية معاناة جديدة".
يصرخ النازحون طلباً للنجاة، ويتشارك السبعيني أبو هاني سلمان ذات الوجع والمعاناة، وهو واحد من آلاف النازحين الذين أغرقت مياه الأمطار الغزيرة خيام نزوحهم، يصف لـ"المشهد" كيف غرقت خيمته على ساحل بحر غزة، "لم أستطع فعل أي شيء، لقد غرق الفراش والبطانيات، وكنت أرتجف من شدة البرد وقوة الرياح، ويتابع بشجن، "بتنا نخشى من المطر الذي كان بمثابة خير وعطاء، لكنه أضحى لعنة علينا ويفاقم من أوضاعنا الصعبة".
استغاثة ومعاناة
"وضع الخيام رديء وهي غير صالحة للعيش، النايلون لا يمنع المطر ولا البرد، الأهالي يحتاجون خياماً أقوى، وبنية تحتية للتصريف، لكن الإمكانيات ضعيفة ولا تكفي بالحد المطلوب"، يصف المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل لـ"المشهد" جزءاً من المشاهد الميدانية التي تكشف حجم الصعوبة التي تواجه طواقم الدفاع المدني ومعاناة الفلسطينيين في أرجاء غزة، مؤكداً "نعاني غياب أماكن بديلة لنقل النازحين، ونقصاً حاداً في مضخات سحب المياه، وتهالكاً في المعدات"، معلناً أن حجم الكارثة يفوق الإمكانات المتاحة.
ومنذ حلول فصل الشتاء، وفق بصل، فـ"الخيام التي تؤوي آلاف النازحين تحولت إلى برك مياه غمرت الطعام والملابس والفرش، حيث أضحت آلاف العائلات في عراء قاس بلا دفء أو مأوى، وتسببت الرياح والسيول العاتية في انجراف وغرق أكثر من 27 ألف خيمة للنازحين، وتضرر أكثر من 250 ألف نازح يعيشون فيها".

وحول أوضاع مراكز ومدارس الإيواء يقول بصل، "لقد شهدت انهيارات وأضراراً هائلة بعد أن غمرتها المياه بشكل كبير، الواقع صعب وكارثي، مراكز إيواء أغرقت بالكامل، في ظل انعدام مقومات الحياة الأساسية".
وأفاد المتحدث باسم الدفاع المدني بصل، خلال حديثه لـ"المشهد"، "أسفرت الأحوال الجوية عن تسجيل 14 حالة وفاة، من بينهم 4 أطفال فقدوا حياتهم نتيجة البرد والظروف القاسية التي يكابدونها بفعل البرد، حيث إن جزءاً من هذه الوفيات وقع نتيجة انهيار مبانٍ متصدعة وآيلة للسقوط فوق السكان بفعل القصف الإسرائيلي خلال الحرب، ولا يزال عدد من الفلسطينيين تحت أنقاض المباني التي انهارت بفعل المنخفض الجوي، فيما تحاول طواقم الدفاع المدني الوصول إليه بإمكانيات محدودة.
وختم حديثه لـ"المشهد" بأن، "الدفاع المدني تلقى أكثر من 3,500 نداء استغاثة منذ بداية المنخفض الجوي، أغلبها تتعلق بانهيارات وتسرب مياه وغرق خيام ونزوح عائلات".
البرد يفاقم النزوح
أكد المستشار الإعلامي لوكالة الأونروا عدنان أبو حسنة لمنصة "المشهد" بأن "شدة المنخفض ضاعفت من حجم الكارثة الإنسانية في غزة، إذ أصبحت قرابة 300 ألف أسرة بلا مأوى، الأمر الذي دفع بوكالة الأونروا إلى مناشدة المجتمع الدولي لإدخال المساعدات فوراً".
وأوضح المستشار أبو حسنة لـ"المشهد" بأن "آلاف الأسر الفلسطينية اضطرت إلى ترك خيامها والاحتماء بمراكز الأونروا للإيواء من شدة الأمطار، لتصبح الأوضاع فيها أشبه بتسونامي إنساني، بفعل الأعداد الهائلة من النازحين، حيث إن الرياح اقتلعت الخيام والأمطار غمرتها بالمياه".
وشدد خلال حديثه لـ"المشهد"، بأن "الوضع الحالي يُهدد آلاف الأُسر الفلسطينية، خصوصا مع تلف عدد كبير من الخيام، لمخاطر التشرد من جديد في ظل غياب البدائل المناسبة".